العمالة اللبنانية في الإمارات: افتعال الاضطهاد خدمة للتمدد الفارسي

الشراع 2015/03/28

هيثم الأمين

قرار دولة الإمارات ترحيل نحو تسعين مقيماً لبنانياً، يأتي ضمن ثلاثة محددات يجب أن تبقى حاضرة في الذهن:
الأول: ان هذا القرار لا يعبر عن سياسة إماراتية عشوائية ضد العمالة اللبنانية فيها. وبالتالي لا يعكس حقيقة ان العلاقات بين لبنان والإمارات ذاهبة للتأزم.
الثاني: ان هذا القرار يأتي استجابة لظروف خاصة بهؤلاء المبعدين، وهي شبيهة بظروف كانت شابت إقامة لبنانيين تم إبعادهم في الإمارات سابقاً. وفي كل مرة كانت دولة الإمارات مستعدة لأن تبين للدولة اللبنانية الأسباب الأمنية التي دفعتها لاتخاذ خطوات إبعاد لبنانيين. وقبل نحو عامين كان مرجع لبناني كبير يزور الإمارات وفتح هناك قضية اللبنانيين الذين تم إبعادهم، حيث قامت السلطات الاماراتية بوضع تفاصيل الأسباب أمامه. وكان رد المرجع: لبنان لا يدافع عن أي مقيم في دولة الإمارات يتجاوز قانون البلد أو يهدد أمنه.
طبعاً يعمل لبنان من أجل حماية العمالة اللبنانية في الإمارات بكل قوة وهو يجري الاتصالات مع المسؤولين الإماراتيين لإبقاء الأمور على هذا المستوى تحت سيطرة التنسيق بين البلدين اللذين توجد بينهما علاقات وثيقة وأكثر من طيبة. ولكن ضمن هذا الملف يجب أيضاً لحظ مجموعة اعتبارات مطلوب من الدولة اللبنانية القيام بها لتحصين وجود العمالة اللبنانية في الإمارات، ولعل أبرزها الطلب من حزب الله وقف تدخله الإعلامي أو التحريضي في شؤون الدول العربية الشقيقة للبنان. والواقع ان تصوير إبعاد اللبنانيين الـ ٩٠ من الإمارات بأنها عمليات تستهدف الشيعة المقيمين هناك، هو أمر ليس في صالح الشيعة اللبنانيين الذين يعملون في الإمارات ولا تساعد الحكومة اللبنانية في مراجعاتها مع أبو ظبي لمعالجة هذه القضية.
معروف ان حزب الله يهمه انسياقاً مع الهدف الإيراني في المنطقة، زرع إسفين بين مركبات الوطن العربي، وبالتالي اللعب على نغمة وجود أقليات مستهدفة، ووجود مذاهب مسلمة في المشرق وفي الخليج مستهدفة، وبالتالي تفكيك المعنى العربي للمنطقة، لأنه من خلال ذلك فقط يستطيع المعنى الفارسي ان يجد سبيلاً لبناء نفوذ سياسي له في منطقتنا العربية.
.. ولكن هذه اللعبة مكلفة وبالأخص على الشيعة اللبنانيين الذين بات عليهم أن يدفعوا فاتورة تدخل حزب الله في سورية على أساس مذهبـي وفي اليمن على أساس مذهبـي وفي البحرين على أساس مذهبـي .

كبت وصية شمس الدين
ان فكرة الحزب بخصوص أن يكون رأس حربة المشروع الإيراني المقاتلة في الدول العربية هي في الواقع تمثل أخطر مأزق يمر فيه الشيعة اللبنانيون. فهؤلاء عملياً يصادر الحزب هويتهم العربية تحت عنوان انه ينطق بإسمهم جميعاً وانه يدافع عنهم. لم يسبق لشيعة لبنان ان وجدوا أنفسهم مرغمين على الاستقالة من خصوصيتهم العربية، كما يحصل الآن. في عقود بدايات القرن الماضي قاتل الشيعة اللبنانيون الفرنسيين تحت العلم العربي. وفي النصف الثاني من العقد الماضي حتى ما قبل أواخره قاتلوا تحت لواء الثورة الفلسطينية باعتبار ان فلسطين هي القضية المركزية للعرب. وبدايات هذا القرن كتب الشيخ محمد مهدي شمس الدين المعتبر أبرز مفكري وفقهاء شيعة لبنان يوصي الشيعة العرب ان ينصهروا في دولهم وأوطانهم العربية وان لا يكونوا شعوبيي هذا العصر . وحتى السيد محمد حسين فضل الله المعتبر رائد الوحدة الاسلامية كان قاوم إلحاق شيعة لبنان بمرجعية ولي الفقيه الإيراني وتحدث عن الخصوصية العربية لشيعة المنطقة. والإمام موسى الصدر نظر الى لبنان بوصفه كياناً عربياً نهائياً لكل أطيافه بمن فيهم الشيعة .
ما يجري اليوم هو ان كل أصداء هذه الأصوات المرجعية الفقهية التي حرصت على إبقاء الهوية العربية لصيقة الصِّلة بشيعة المنطقة، يتم كبتها وإقصاؤها وحرق نظرياتها كما تحرق داعش كتب تاريخنا ورموزها في المتاحف والحاضرات الاثرية.
وبكلام موجز يدفع الشيعة اللبنانيون اليوم دفعاً للإنقياد وراء خيارات تفيد ايديولوجيا السيطرة الايرانية على المنطقة، وهي أيديولوجياً تحتاج الى مسوغين اثنين:
الاول إظهار ان الشيعة العرب يطلبون حمايتها أو حماية ميليشياتها بوجه الأكثرية المتسلطة سواء كانت داعش أو غير داعش. هذا مع العلم ان الخطر الارهابي اليوم هو أكثر من ديني بل هو توسلي، ويمتاز بأنه ذو سمة امبراطورية وعابرة للحدود وكولونولية تماماً كما يصر ((الخليفة)) ابراهيم البغدادي على تصوير نفسه بأنه اقتحامي ومقاتل وكما تصر طهران على تصوير قاسم سليماني بأنه جنرال اقتحامي ومقاتل أيضاً وعابر للحدود وموجود حيث تستطيع مدى بندقيته بلوغ أهدافها.
ثانيها إظهار ان كل الأقليات العربية تطلب حمايتها وهذا دور ينفذه الآن في لبنان الجنرال ميشال عون وغيره في المنطقة. المهم إظهار ان المكون الحضاري العربي يتقاتل فيما بينه وان المركبات الاقلوية فيه تعاني خطراً وجودياً ما يجعل ايران الامبراطورية الفارسية الحامية للاقليات بوصفها الأقلية الأم في الشرق الاوسط الذي تطغى عليه الديموغرافيا الاسلامية.
والواقع ان لبنان لا يحتمل بتركيبته ممارسات المشروع الإيراني فيه ولا قيام حزب الله لتطبيقاته في بلد الأرز. وما يحدث اليوم بخصوص استغلال الشيعة اللبنانيين في الإمارات هو أمر مفتعل ويراد له خدمة هدف ايران بأن الأقليات تضرب في المنطقة وان حمايتها من قبل طهران هي مسؤوليتها الاخلاقية (!!). ولكن هذا الرهان الى أين سيقود الشيعة اللبنانيين وذلك على ضوء انه يراد لمصالحهم أن تكون وقود إثبات النظرية الايرانية الفارسية عن فوائد تمددها في منطقتنا العربية!!؟.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus