ربع ساعة مع ... رائد شرف الدين: لا فقاعة... ولا ركود عقارياً في لبنان

الراي 2015/04/09

كتب عبادة أحمد

يؤكد النائب الأول لحاكم مصرف لبنان (البنك المركزي اللبناني) رائد شرف الدين أن لا مخاوف من فقاعة عقاريّة أو ركود في القطاع العقاري اللبناني، وان بفضل التعليمات التي يفرضها المصرف المركزي، والتي تضع حداً أقصى لتمويل مشاريع العقاري والأفراد.

وتوقع شرف الدين أن يجيز البرلمان اللبناني للحكومة طرح سندات جديدة في يونيو المقبل (يتوقع أن تكون بقيمة 4.4 مليار دولار)، لتغطية الاحتياجات المالية للدولة، وقال إن فائدة هذا الإصدار ستُحدّد في ضوء المستجدات العالميّة، لكنه توقّع أن يظل أي ارتفاع مستقبلي للفائدة اللبنانية في الحدود التي «لا تربك حركة الإقراض، ولا ترفع تكلفة الاستدانة بشكل كبير».

شرف الدين، الذي تولى منصبه في العام 2009، أتى إلى مصرف لبنان بخبرة مصرفية امتدت 20 عاماً، تولى خلالها مناصب قيادية

في عدد من المصارف المرموقة في لبنان والإمارات، وهو يحمل شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة نورث كارولينا، وفي سجله محاضرات كثيرة في عدد من الجامعات العالمية، مثل «هارفرد» و«يال» و«ماكغيل» وغيرها.

«الراي» التقت شرف الدين على هامش مشاركته في اجتماع الصناديق العربية في الكويت

• كيف تصف مناخ الاستثمار في لبنان حالياً؟

- لا شك أن الاستثمار، سواء من أشقائنا الخليجيين أو من اللبنانيين المغتربين يتبع الاستقرار الأمني والسياسي، ولذلك فإننا لا نتوقع أن يأتي الاستثمار ما لم تتحقق تلك الشروط الأساسيّة، ولذلك لا يفاجئنا ألّا نرى استثمارات بالحجم الذي نراه سابقاً.

لكن ما يدخل إلى لبنان هو الحوالات من اللبنانيين المغتربين، والتي استمرت بوتيرة منتظمة على مدى السنوات الماضية، بقيم تتراوح بين 7.5 و8 مليارات دولار سنوياً، لكن هذه الحوالات ليست مخصصة للاستثمار في الغالب، بل لإعانة العائلات المقيمة في لبنان أو للاستهلاك الشخصي، وإن يكن بعضها يتحوّل إلى شراء العقارات، لكن بواقع محدود.

● لوحظ خلال السنوات التي تلت الأزمة المالية العالمية في 2008 نمو كبير للودائع المصرفيّة في لبنان، لماذا تغيّرت الوتيرة بعد اندلاع الأزمة السوريّة؟

- لا شك أن التدفق الكبير للودائع في المرحلة من 2008 حتى بداية العام 2011، يعود في أحد أسبابه إلى الثقة بالنظام المصرفي اللبناني والنموذج اللبناني الذي أرساه مصرف لبنان، والذي لقي إعجاباً وإشادة من شخصيات عالميّة مثل محافظ بنك فرنسا (المركزي) كريستيان نويير خلال زيارة له إلى لبنان، ومحافظ البنك المركزي الأوربي السابق جان كلود تريشيه، الذي تحدث في إحدى المناسبات في موناكو عن هذا النموذج.

● كيف تفسر هذه الثقة على الرغم من الأوضاع المحيطة بلبنان؟

- هذه الثقة أتت نتيجة عوامل عدّة، منها ربط العملة اللبنانية بالدولار الأميركي بهامش صرف عقلاني ومنطقي، ومنها أيضاً استقرار الأسعار إذ إن من أهداف سياسة مصرف لبنان الحفاظ على معدل تضخم عند 4 في المئة، وهو ما يتم الحفاظ عليه. أضف إلى ذلك الاحتياطات الضخمة التي راكمها المصرف المركزي على مدى السنوات الماضية بواقع 38 مليار دولار، عدا احتياطات الذهب التي تقارب قيمتها بالأسعار الحالية 12 مليار دولار. وبجانب ذلك نجح المصرف المركزي في خفض أسعار الفائدة، بما خفف تكلفة الاستدانة على لبنان ككل وعلى القطاع الخاص.

فعلى الرغم من أن أدوات مقايضة مخاطر الائتمان (CDS) في لبنان أعلى من كثير من البلدان، لكن الفوائد على سندات الخزينة تبقى أقل بكثير من بلدان أخرى.

● لكن انخفاض الفائدة له تكلفة يتحمّلها مصرف لبنان، (من خلال اكتتابه في سندات الخزينة)؟

- التكلفة يتحمل البنك المركزي قسماً منها، من خلال اكتتابه إلى جانب المصارف التجارية في سندات الخزينة، كما حصل أخيراً في اكتتاب «اليوروبوند» بقيمة 2.2 مليار دولار.

● كم كانت حصة «مصرف لبنان» في هذا الإصدار؟

- لم تكن حصّة كبيرة، لأن الاهتمام في السوق كان كبيراً. وهذا لم يزعجنا، لأننا نحرص على أن نكون مساعدين وداعمين في السوق، لا أن نكون الأساس (في الطلب على سندات الخزينة). لكن لا بد من الإشارة إلى أن هذا الشكل من التيسير الكمي ليس مخالفاً للقانون، وصحيح أن تكلفته قائمة لكنها مقبولة، وما البديل إذا لم يكتتب المصرف المركزي ولم تكتتب المصارف؟

● لكن مصرف لبنان بات يحمل الكثير من سندات الخزينة، إذ يقدرها صندوق النقد الدولي بنحو 23 في المئة من الدين بالعملة الأجنبية و30 في المئة من الدين بالليرة اللبنانية؟

- صحيح، لكن هذه الأرقام تأتي في ظروف استثنائيّة تضطرنا إلى اللجوء إلى إجراءات استثنائية، ولذلك نأمل في المرحلة المقبلة أن نقلب هذه الصفحة، وأن نكون مرتاحين أكثر لنتمكن من صياغة سياستنا النقدية بأريحية.

● نعلم أن النظام النقدي اللبناني يعتمد بشكل كبير على الودائع المصرفية لتمويل الماليّة العامة إلى جانب تمويل النشاط الاقتصادي والأفراد، ما نسبة نمو الودائع التي يحتاجها لبنان ليستمر هذا التمويل؟

- مازال هذا النمو مستمراً، لم يتعطل ولم يتعثر. نحن في حاجة إلى نمو بنسبة 6 في المئة، وهذا هو الحد الأدنى الذي نحققه، مع العلم أننا حققنا في بعض السنوات أرقاماً أعلى من هذه النسبة بكثير، إذ وصل إلى 24 في المئة في العام 2010، لكنه عاد واستقر، وأعتقد أن النمو بنسبة 8 إلى 9 في المئة هو نمو صحي وطبيعي ومريح للجميع.

● ينتظر أن يطرح لبنان إصداراً جديداً للسندات بقيمة 4.4 مليار دولار في يونيو المقبل، أين أصبحت التحضيرات لذلك؟

- كما سبق لمجلس النواب أن أجاز إصدار سندات اليوروبوند الأخير بقيمة 2.2 مليار دولار، نتوقع أن يقر قانوناً يسمح بإصدار جديد يلبي الاحتياجات.

● كم تبلغ احتياجات الماليّة العامة حتى نهاية السنة، هل هي 4.4 مليار دولار؟

- أقل من ذلك بقليل، لكنها أكثر مما تمت تغطيته حتى الآن.

● هل تتوقعون ضغطاً صعودياً على أسعار الفائدة في الفترة المقبلة؟

- الظاهر من الأجواء العالميّة أن هناك توجهاً، لم يترجم إلى قرار، لرفع أسعار الفائدة (الأميركية)، لكنه لم يقر ولم يحدد ولم يعرف بأي واقع.

● اسمح لي بالتوقف عند هذه النقطة. لبنان استفاد كثيراً من بيئة الفائدة المنخفضة عالمياً من خلال تدفق الرساميل إلى لبنان. ماذا لو انعكست دورة الفائدة عالمياً وبدأنا نرى أسعار فائدة مرتفعة؟ ما انعكاس ذلك على معدلات الفائدة على سندات الخزينة، وعلى تكلفة الاقتراض التي يتحملها القطاع الخاص والإفراد التي ترتبط إلى حد بعيد بالفائدة على سنداتالخزينة القصيرة الاجل؟

- لا بد أن معدلات الفائدة المحلية تلحق بالعالمية، لكن ليس متوقعاً أن ترتفع الفائدة إلى حدٍّ يُربك حركة الإقراض أو يزيد الفائدة على سندات الخزينة بالنسب الكبيرة التي تجعلها مكلفة أكثر.

● في القطاع العقاري تحديداً هناك الكثير من الإقراض بفائدة مرتبطة بسندات الخزينة، هل تتخوّفون من أن يؤدّي ارتفاع الفائدة إلى تعثرات في السداد، خصوصاً في ظل نسبة الانكشاف الكبير للبنوك على قروض الإسكلان والتي تصل إلى 12 في المئة؟

- سؤال وجيه، لكن الإجابة عليه مأخوذة بعين الاعتبار مسبقاً، بالدرجة الأولى من خلال تعليمات المصرف المركزي الذي قرر منذ أكثر من عشر سنوات ألّا تتعدى نسبة التمويل 60 في المئة من أي مشروع تطوير عقاري، وحدّد للمستهلك ألّا تزيد نسبة الاقتراض من الدخل أكثر من 45 في المئة، من ضمنها نسبة 35 في المئة للعقار.

ولذلك أقول إننا نأخذ في الاعتبار العديد من عوامل امتصاص الصدمات التي يمكن ان تحث في مراحل لاحقة. بالطبع، من مهامنا ان نتوقع مختلف الظروف، ولذلك فنحن نبني «وسادات» أو مصدات للصدمات في كل مرحلة على مختلف المستويات، سواء على مستوى المصارف أو المطورين العقاريين أو الأفراد، خصوصاً وأننا في بلد معرض لمختلف أنواع الضغوط والمشكلات.

● لا بد أن لديكم اختبارات تحمّل للصدمات في مختلف القطاعات. هل لديكم تخوّف من ركود في القطاع العقاري؟

- لا، لا نرى شيئاً من هذا القبيل، صحيح أن التطوير ليس مستمراً بالوتيرة نفسها، لكن ليس هناك جمود على الإطلاق، لأن الأمور مُدارة. فبعد الانتعاش الكبير في العامين 2010 و2011 لم تحدث فقاعة، وفي المقابل، مع التباطؤ النسبي الذي نشهده حالياً، لا نرى انتكاساً كبيراً ليثير قلقنا من الركود.

● إذاً تقييمكم يشير إلى أن العقار اللبناني ليس فيه فقاعة؟

- بالتأكيد، فما مقومات الفقاعة؟ ليس هناك أي من العناصر التي تؤدّي إلى نشوء فقاعة في القطاع العقاري اللبناني.

● هناك بعض المناطق وصل فيها سعر المتر المربع إلى أرقام خياليّة..

- هذا طبيعي، فالسوق عرض وطلب، إذا تحدثنا عن منطقة مثل الحمرا، كم عقاراً خالياً تجد؟ الأمر يتعلق بالعرض والطلب. لا بد أن أشير إلى أن لبنان شهد للمرة الأولى ارتفاع عدد السكان المقيمين فيه إلى 4 ملايين نسمة، وهذا لم يحصل من قبل. وبالطبع المساحات قليلة، ولا نتمكن من الردم في البحر، ولذلك من الطبيعي أن ترتفع الأسعار بفعل العرض والطلب، ولم يحدث أي ارتفاع غير منطقي لأسعار العقار في لبنان، بل إن ديناميات السوق هي من يحدد.

● أطلقتم في مصرف لبنان حزمة تحفيز لتمويل المبادرين في قطاع اقتصاد المعرفة. هذه التجربة قد تكون مهمّة للكويت التي أطلقت أخيراً صندوقاً بملياري دينار لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة. ما فكرتكم من حزمة التحفيز هذه؟

- هذه المبادرة أطلقناها في أغسطس 2013. وكانت الفكرة أن نخلق اقتصاد المعرفة. وليتحقق ذلك لا بد أن تخلق بيئة مساعدة، تشمل التوعية والتعليم والتمويل. ومن ضمن التعليم لا بد من وجود مخيمات التدريب لتأهيل المبادرين وإعدادهم.

ولهذه الغاية، قام المصرف المركزي بتمويل إنشاء «مخيم تدريبي»، وقمنا بالتعاون مع UKTI في المملكة المتحدة لإنشاء مخيم آخر.

أما التمويل فيذهب في اتجاهين، إما التسليف وإما المشاركة في رأس المال.

● لكن المشاركة في رأس المال مخاطره مرتفعة، خصوصاً أننا نتحدث عن مشاريع مبتدئة، ومن الوارد جداً أن تفشل.

- صحيح أن المخاطر في المشاريع الصغيرة مرتفعة، وخصوصاً في مجال التكنولوجيا، لكن البنوك لديها من الذكاء والحصافة ما يحميها من التورط في مشاريع غير مجدية، وعندما تدخل شريكاً في المشاريع الصغيرة فإنها سترافق المبادر في كل خطوة من الخطوات، من إعداد دراسات الجدوى الاقتصادية، إلى إعداد كل مقوماتالنجاح مالياً وإدارياً ومهنياً وتسويقياً.

والشق الآخر الذي توليناه في مصرف لبنان أننا نضمن نسبة تصل حتى 70 في المئة من القروض المخصصة لهذه المشاريع، وهذا يدل على مدى إيماننا بشبابنا وبمستقبل قطاع المعرفة في لبنان، لأن هذا القطاع يسهم في توفير فرص العمل ويطلق طاقات الشباب في مجال غير تقليدي، وفي مجال يلبي الحاجات.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus