ريمون جبارة إلى اللقاء
هل ارتاح الفنان الخلاق من جلجلته؟

النهار 2015/04/15

لور غريب

لم نعرف من الأصدقاء أحدًا ناضل من أجل الحياة مثلما تحمّل الفنّان الممثّل والمؤلّف المسرحي والكاتب الساخر، الذي عرف كيف يقارب كلّ المآسي رغم معاناته الصحّية التي ترافقه منذ عدّة سنوات، ورغم شجاعته في جبه المصاعب الصحّية والمالية والفنية، وكأن أيوب سكن جسمه النحيل قبل قلبه ولم يفارقه أبدًا منذ أكثر من الذكرى.
ريمون جبارة من الرعيل الذي تتلمذ على يد المخرج اللامع منير ابو دبس، هو رفيق انطوان كرباج وانطوان ملتقى ولطيفة ملتقى وتيا راسي ورضى خوري ونبيل معماري وميشال نبعة وآخرين ممَّن غيّروا الأحداث الثقافية في الستينات. فهؤلاء مثّلوا وترجموا وكتبوا وتألّقوا في أعمال عالمية وغيرها من تأليف بعضهم او من ترجمة البعض الآخر.
مدرسة المسرح الحديث، التابعة للجنة مهرجنات بعلبك، عرفت سحرنا وفرضت إعجابنا واستولت على كتاباتنا نحن من رافق النجاحات من خلال الصحف المحلية الناطقة بالفرنسية والعربية والانكليزية.
جاءت أيام تفرّق فيها الرفاق. أسّسوا فرقًا فنية مسرحية، وجالوا في لبنان بأعمالهم. بيروت كانت المركز، والمسرحيات وقتذاك كانت تقدّم 3 أيام في الجامعة الاميركية. كنا نهتف ونصرخ ونصفّق ونجيّش المثقّفين ليقوموا بمساعدة الشباب الذين كانوا يومها يمثّلون مجّانًا ويدفعون من جيوبهم أجرة الطريق الى المكان حيث تجري التمارين او تقدّم المسرحية. لم تكن الأسماء تُذكر يومها، بل كان هؤلاء أصابع اليد التي تؤلّف فرقة سُمّيت فرقة المسرح الحديث.
ريمون جبارة مثّل أدوارًا قوية فيها الكثير من الشحن الداخلي. كان جميلاً على الخشبة. يحبه الجميع. وذات يوم انفصل عن الفرقة. كذلك فعل انطوان ولطيفة ملتقى، انطوان كرباج وميشال نبعة.


كتب ريمون بسخريته المعهودة مسرحيات عدّة منها "لتمت ديسديمونا" و"وصية كلب" ومسرحيات أخرى... ومنذ ذلك الوقت لم يرتح. سافر وقدّم مسرحياته مع فريق عمل مؤلف من الرفاق ومنهم كميل سلامة ورضى خوري وغيرهم. انا اكتب الآن وأتذكر. قد أخلط بين التواريخ، ولكنني لن انسى ريمون جبارة في مسرحية "فولبوني" حيث مثّل دورًا صعبًا وقام بإنجاز لافت.
كان من الاشخاص الذين واكبوا الاحداث وكتب عنها وقدّم برامج في صور عن لبنان، وكتب في الملحق الثقافي في "النهار"، ولم يتعب. كلّما تقدّم في السنّ هزل الجسد وتعب القلب، ولكن العقل كان يزداد شبابًا ويصبح أكثر سخرية ومروّسًا وموجعًا، بقدر ما كان هو موجِعًا من كثرة المشاكل الصحّية المتعدّدة.
لم يتردّد مرّة في القيام في الواجبات مع الاصدقاء والمعارف، وكلّ من قصده وطلب المشورة او المساعدة. عندما قيل إنه مريض جدًّا لم أصدّق. ما زالت ضحكته الساخرة ترنّ في اذني إلى الآن، ولا اعتقد انها ستصمت مدى الحياة.
يسقط الاصدقاء، وترحل المواهب. ونحن ننتظر لحظة صياح الديك لنترك لمن يبقى ذكريات كثيرة لن تمحى.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus