الأسد في مقابلة تلفزيونية لقناة فرنسية: باريس سعت للتواصل الأمني معنا ولكن من غير نتيجة

الشرق الأوسط 2015/04/21

باريس: ميشال أبو نجم

بثت القناة الحكومية الفرنسية «فرانس 2»، مساء أمس، مقابلة مع الرئيس السوري بشار الأسد، في بادرة هي الأولى من نوعها لوسيلة إعلامية تمولها الحكومة بالكامل. ورغم أن وسائل إعلامية فرنسية سبق لها أن قامت بالرحلة إلى دمشق لمقابلة الأسد، ومنها صحيفة «لو فيغارو» اليمينية، أو مجلة «باري ماتش» التي تهتم بالمشاهير، فإنها المرة الأولى التي تخصص للرئيس السوري مقابلة على قناة رئيسية، وفي إطار أخبار الساعة الثامنة الأكثر مشاهدة في فرنسا.
ورغم أن القناة الفرنسية تتمتع بحرية الخيار، فإن أوساطا سياسية ترى فيها «مؤشرا» قد يدل على رغبة فرنسية في «إيجاد نوع من التوازن» الجديد في التعاطي مع ملف الأزمة السورية، حيث كانت باريس تؤكد أنه «لا يمكن الاختيار بين ديكتاتورية الأسد ودموية (داعش)»، وأن الحل هو دعم المعارضة المعتدلة التي يمثلها الائتلاف الوطني السوري المعارض.
في المقتطفات التي بثتها القناة، نهار أمس، لا يأتي الأسد بجديد، إذ يكرر المواقف والاتهامات، ومنها للحكومة الفرنسية التي «تدعم الإرهابيين الذين يقتلون مواطنين سوريين». وفيما ينفي الأسد بشدة لجوء قواته إلى استخدام البراميل المتفجرة التي تلقيها على المناطق الخارجة عن سيطرته، فإنه في المقابل يؤكد «وجود اتصالات» بين أجهزة المخابرات الفرنسية والسورية بناء على «مبادرة فرنسية»، بيد أنها لم تفضِ إلى نتائج ولا إلى قيام تعاون بين الطرفين. وكانت مصادر سورية أفادت سابقا بأن دمشق ربطت تعاونها الأمني بمبادرة دبلوماسية من الجانب الفرنسي، مثل إعادة فتح السفارة وإعادة العلاقات الدبلوماسية.
وفي كتاب صدر لهما أخيرا عن العلاقات الفرنسية السورية، أفاد الصحافيان الفرنسيان جورج مالبرونو وكريستيان شينو، بأن بعثة مشتركة من المخابرات الخارجية والداخلية زارت دمشق انطلاقا من عمان في شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2013.
وقال شينو لـ«الشرق الأوسط» إن المهمة «تمت بموافقة الرئيس هولاند»، وإن الجانب السوري «طرح شروطه» مقابل التعاون الأمني الذي كان يبحث عنه الفرنسيون. وتبدي باريس منذ شهور طويلة قلقا بالغا بالنسبة لأعداد الفرنسيين أو المقيمين على الأراضي الفرنسية المتعاملين بشكل أو بآخر مع التنظيمات الجهادية العاملة في سوريا والعراق والبالغ عددهم، بحسب رئيس الحكومة مانويل فالس، 1500 شخص.
وتمكنت المخابرات الفرنسية من التأكد من أن سبعة فرنسيين قاموا بعمليات انتحارية، وأن نحو 96 شخصا سقطوا في العمليات القتالية. وحاليا، هناك 434 فرنسيا أو مقيما على الأراضي الفرنسية في سوريا. وما يقلق الأجهزة الأمنية عودة هؤلاء إلى فرنسا مزودين بخبرات قتالية وبتقنيات التفخيخ وتصنيع المتفجرات، وأن يرتكبوا أعمالا إرهابية على غرار ما فعل الأخوان كواشي وأحمدي كوليبالي في باريس بداية العام الحالي.
وعندما قام أربعة برلمانيين فرنسيين (نائبان وعضوان في مجلس الشيوخ) بزيارة دمشق ما بين 24 و25 فبراير (شباط) الماضي، اصطحبهم ثلاثة أشخاص لم تُعرف بالضبط مهمتهم. وأحد هؤلاء اسمه باتريك باراكان. وبحسب صحيفة «لو فيغارو» في عددها الصادر بتاريخ 9 مارس (آذار) الماضي، فإن الأخير، وهو موظف حالي في وزارة الاقتصاد ورجل مخابرات سابق التقى علي مملوك الذي يدير «مكتب الأمن الوطني» أحد أجهزة المخابرات السورية المرتبطة مباشرة بالرئيس الأسد.
حتى الآن، تؤكد أعلى السلطات الفرنسية أن سياسة باريس إزاء بشار الأسد «لم تتغير». وذهب رئيس الحكومة إلى وصف بادرة البرلمانيين الأربعة بأنها «غلطة أخلاقية»، في حين أدانها رئيس الجمهورية «بأقصى شدة». أما الخارجية، فوصفتها بـ«الشخصية»، و«لا تلزم فرنسا بشيء».
ليس سرا أن الحكومة الفرنسية تتعرض لضغوط خصوصا من نواب وأحزاب اليمين لـ«تعديل» سياستها إزاء سوريا. وحجة هؤلاء أن النظام «لم يسقط بعكس التوقعات»، وأن «الواقعية السياسية» تفترض التعامل معه، فضلا عن أن استقواء التنظيمات الجهادية الإرهابية يجعل من الأسد «حليفا موضوعيا» في الحرب عليها. وتشجع هؤلاء بما قاله قبل أسابيع وزير الخارجية الأميركي جون كيري (قبل أن يتراجع) عن الحاجة «للحديث» إلى الأسد، مما يعني التعاون معه، وهو ما لا تزال فرنسا ترفضه رسميا.
تعترف مصادر فرنسية رسمية بـ«وجود مشكلة». لكنها تسارع إلى القول إن القبول بالأسد «ليس الحل»، لأن الانفتاح عليه سيعني «دفع كل السنّة إلى أحضان (داعش) و(النصرة)»، ويعني خصوصا «غض النظر» عن 220 ألف قتيل سقطوا في سوريا منذ بدء الانتفاضة، فضلا عن التدمير الواسع الذي لحق بالمدن والقرى واستخدام الأسلحة الممنوعة (ومنها الكيماوية)، ووجود عشرات الآلاف من الأسرى والمحتجزين وملايين المشردين واللاجئين.
وترى هذه المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، أن الوضع في سوريا «صعب» والخيارات «صعبة»، لكن باريس «لا تنوي تعديل موقفها».
وبرأيها أنه إذا كان الغربيون وغير الغربيين قد «أخطأوا» في توقع سقوط سريع للأسد، فإن وضع الأخير «أسوأ مما هو يرى». ويبقى موضوع الحل السياسي بالنسبة لفرنسا مربوطا بالعودة إلى المفاوضات على أساس «جنيف 1»، بعد إخفاق الجهود الروسية وعدم نجاعة ما يقترحه المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا.
إذا كان من جديد في باريس، فهو أن الدبلوماسية الفرنسية أخذت تعتبر أن هناك إمكانية لاجتماع المعارضة المعتدلة وشخصيات من النظام السوري للمحافظة على المؤسسات والأجهزة، وتلافي تكرار التجربة العراقية. وعين باريس على تتمات المفاوضات الدولية بشأن الملف النووي الإيراني وما يمكن أن ينتج عن اتفاق نهائي من تبعات على الملف السوري قد يفتح «كوة» في جدار أزمة مشتعلة منذ أكثر من أربع سنوات.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus