لبنان أمام مرحلة من اشتداد الاحتدام السياسي و«ربْط» الأزمات

الراي 2015/04/27

مرّت الذكرى العاشرة لانسحاب الجيش السوري من لبنان في 26 ابريل 2005 مثقلة بمجموعة من المآزق السياسية والمخاطر الأمنية التي تعكس ان البلاد التي طوت قبل عقد صفحة الوصاية السورية لم تنعم بعد باستقرار يعيد لها سلامها الاهلي وانتظام عمل مؤسساتها.

ورغم ان «الحال» اللبنانية ليست في أفضل أحوالها في ظل تشابُك الواقع الداخلي مع «الاشتباك» الاقليمي اللاهب في أكثر من ساحة، فان قسماً من «عوارض» سوء الحال مردّه الى ان اللاعبين المحليين سلّموا زمام المبادرة للخارج حتى بات لبنان رهينة ما ستفضي اليه لعبة المقايضات الكبرى في المنطقة.

ولعلّ من أبرز مظاهر «الاستسلام» اللبناني حيال امكان إحداث اي اختراقات في الملفات الاساسية وأبرزها الانتخابات الرئاسية المعلّقة من نحو 11 شهراً، انزلاق الاهتمام الى مجموعة أزمات «متفرّعة» من الفراغ الرئاسي وتشي بإحداث المزيد من الشلل الذي «ينهش» النظام ومؤسساته.

وفي هذا السياق، يبرز مأزق الخلاف على انعقاد جلسة تشريعية لمجلس النواب والذي لم تحمل التحركات السياسية الداخلية في اليوميْن الأخيرين اي ملامح انفراج لحله في وقت لا يستبعد معه ان يتطور هذا المأزق ويهدد محاولة متقدمة لاقرار مشروع الموازنة لسنة 2015 في مجلس الوزراء.

وقد أعربت مصادر نيابية بارزة لـ «الراي» عن اعتقادها ان لا شيء يضمن حتى الان ان يتمكن رئيس البرلمان نبيه بري تحديد موعد للجلسة التشريعية خلال شهر مايو بكامله ما لم تطرأ مفاجأة ايجابية غير محسوبة، ولو ان هذا الاحتمال يبدو بعيداً للغاية. اذ انه في حال عدم انعقاد جلسة تشريعية سيعني الأمر من الناحية الدستورية انتهاكاً نظراً الى مرور العقد العادي لمجلس النواب كاملاً من دون انعقاد اي جلسة تشريعية. اما من الناحية السياسية والمعنوية فان الأمر سيكون اكثر سوءاً اذ انه سيكرس واقع تعطيل مجلس النواب أسوة بفراغ رئاسة الجمهورية، فلا يبقى سوى الحكومة في وضع «عامل» ولكن مع شكوك واسعة متصاعدة حول انتاجيتها التي تتأثر بقوة بالخلافات بين مكوناتها السياسية.

واشارت هذه المصادر الى ان في الكواليس السياسية المهتمة بمعالجة أزمة الجلسة التشريعية يدور همس عن تحرك الحسابات المرتبطة بأزمة الفراغ الرئاسي على وقع التطورات الاقليمية الحاصلة في اليمن بعد «عاصفة الحزم» والرهانات التي تُبنى على إمكان ان يحمل شهر يونيو المقبل جديداً ما يحرك الاستحقاق الرئاسي. ولفتت الى ان نقطة الارتكاز في هذه الرهانات الجديدة برزت من خلال ربط مجموعة ملفات داخلية مطروحة بعضها بالبعض الآخر، ما يعني ان ثمة عودة الى الضغط بقوة لمنع تمرير اي ملف حيوي في هذه المرحلة قبل جلاء غبار الحسابات الرئاسية. وهذا الامر ينطبق اولاً على وضع رئيس «تكتل التغيير والاصلاح» النائب العماد ميشال عون، الا ان الأخير ليس وحده مَن يبني حسابات جديدة لان الافرقاء الآخرين يتحركون بدورهم ضمن أجندات مختلفة ولكن بهدوء.

اذ ان المصادر نفسها لاحظت انه ليس من المصادفة في شيء ان يزور الرئيس السابق للحكومة زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري الولايات المتحدة في هذا التوقيت كما ان يقوم البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة الراعي بزيارة لفرنسا حيث سيقابل غداً الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند. وفي حين يتعين رصد أجواء هاتين الزيارتين من زاوية استكشاف اذا كان الاستحقاق الرئاسي بات يتقدّم فعلاً في الاهتمامات الغربية، فان ما يجري على أرض المشهد الداخلي يشير الى تصاعُد السخونة في حسابات اللاعبين الأساسيين بدليل العودة الى لعبة التعطيل المتبادلة سواء في مجلس النواب او مجلس الوزراء.

ولعل ما يدفع المصادر الى توقع اشتداد الاحتدام السياسي الداخلي هو ان مايو المقبل يُعدّ شهراً مفصلياً في بت ملفات تُصنّف بأنها حاسمة، وفي مقدمها تمرير جلسة تشريعية للمجلس النيابي على الاقل وإقرار الموازنة في مجلس الوزراء وكذلك بت موضوع التمديد او التعيين في مواقع أمنية وعسكرية أساسية. وهي جميعها ملفات باتت تضع السلطتين التشريعية والتنفيذية تحت وطأة توهّج سياسي كبير يندفع قدماً مع اقتراب أزمة الفراغ الرئاسي من طي سنتها الاولى في 25 مايو المقبل الذي يبدو انه سيحلّ مع قدر كبير متوقع من الاحتدام السياسي الذي من طلائعه عودة الأفرقاء المسيحيين تحديداً الى التصلب حيال اي امر او ملف يمكن ان يُعتبر إقراره بمثابة تساهل او تنازل في غياب رئيس الجمهورية.

وقد واجه رئيس مجلس النواب نبيه بري العينة الاولى من تصاعد هذا المناخ المسيحي الذي عبّر عن نفس من خلال تكتل القوى الثلاث التي يمثّلها عون و«القوات اللبنانية» وحزب الكتائب على مقاطعة الجلسة التشريعية ولو من دون تنسيق مسبَق بينها ما يثبت الصعوبة الكبيرة التي سيواجهها بري في السعي الى عقد جلسة تشريعية ربما تكون فرصتها متلاشية تماماً. كما ان رئيس الحكومة تمام سلام سيواجه وضعاً مماثلاً وربما أكثر تعقيداً اذا مضى العماد عون في تصعيد رفضه للتمديد للقادة الأمنيين والعسكريين، الرامي الى ضمان وصول صهره العميد شامل روكز الى قيادة الجيش، بدفْع الأمور نحو أزمة حكومية عبر سحب وزرائه من الحكومة او باعتكافهم.

Bookmark and Share

comments powered by Disqus