Top stories

 

 

Click for the latest Montreal weather forecast.
Click for the latest Montreal weather forecast.

 

 

 

التعليم الديني في لبنان موضع خلاف والنتائج كارثية

التعليم الديني في لبنان موضع خلاف والنتائج كارثية

«الشرق الأوسط» 2006/06/20

بيروت: علي العزير

بسبب ظهور شخصية دينية في برنامج هزلي اشتعلت، مؤخراً، شوارع بيروت بالغضب، وقبلها بأشهر وأثناء مظاهرة ضد الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية حدثت صدامات طائفية أعادت البلد إلى ايام الحرب الأهلية. وفي كل مرة يأتي تحليل الأحداث ليؤكد أن الأمر محض احتقان سياسي، ولا أحد يتساءل عن مسؤولية المدرسة والتربية في شحن المشاعر. ثمة كلام عن التعليم الديني في دول عربية كثيرة، لكن ماذا عن التعليم الديني في بلد الـ18 طائفة. وما نتيجة ان يترك لكل طائفة حرية تنشئة أبنائها على طريقتها، من دون كتاب ديني موحد يدرّس لكل اللبنانيين. فوضى تعم التعليم الديني في المدارس اللبنانية والنتائج كارثية.

شهد اللبنانيون مؤخراً، حالة غليان طائفي استثنائية الطابع تهيمن على ساحاتهم، اعادت الى ذاكرة المخضرمين منهم تجربة الحرب الاهلية المريرة. ولعل المضحك المبكي أن برنامجا تلفزيونيا ساخرا هو الذي أيقظ المخاوف الدفينة ودفع بالمئات للتظاهر في الشوارع، هكذا يعبر اللبنانيون عن تفاعلهم مع ثورة الاتصالات المعاصرة، ليعود السؤال ملحا عن مقولة التعايش، الذي تتغنى به الطوائف في موسم الهدوء المزاجي، ومشكلة التعليم الديني المتحرر من كل قيد أو ضابط، في المدارس.

معضلة جوهرية

* التعليم الديني في لبنان معضلة جوهرية، كما تقول الباحثة نزهة عقل، في مقدمة كتابها «التربية على العيش المشترك من خلال التعليم الديني» الصادر عن «مركز الدراسات الاسلامية المسيحية»، الذي اقيمت ندوة حوله الاسبوع الماضي. فالتداخل صارخ بين المقدس والدنيوي. صحيح أن الدين حاجة انسانية فطرية، لكن أبعاده السياسية والاجتماعية والنفسية لا تنكر. وفي مجتمع متعدد طائفيا، كما المجتمع اللبناني، لا يمكن التغاضي عن الموقع الذي تحتله التمايزات الدينية، وما تثيره من اشكاليات تعترض تحويل هذا الكيان الجغرافي، الغارق في لجة الاسئلة المصيرية، إلى وطن حقيقي مستوف لشروط الاستمرار. وتغدو المسألة اكثر تعقيدا إذا تذكرنا الحروب الكثيرة والطويلة التي خاضها اللبنانيون في ما بينهم، والتي كانت تجد اسبابها الجوهرية دائما في تنوعهم الطائفي. آنذاك يصير الكلام عن التعليم الديني ملحاً، كما يصبح التمييز ضروريا بين الدين كوسيلة لترجمة القيم والابعاد الروحية إلى عمل يومي يتسم بالصلاح، والطائفة كإطار سياسي ينظم المنضوين في سياقه، ليحيلهم إلى عصبية متناقضة بالضرورة مع العصبيات الموازية.

الباحثة عقل تحدثت في مقدمة كتابها، عن تصنيفات متعددة لمفهوم «العيش المشترك»، واعتبرت النموذج اللبناني سلبيا، لأن المتعايشين يقبلون قسرا حالة التجاور المفروضة عليهم، ولا يترددون بالخروج على الضوابط المتفق عليها لحظة تسنح لهم الفرصة.

وتحت سقف التعايش السلبي هذا رأينا كيف ان أبناء الطوائف المتعددة لا يفوتون مناسبة، حتى لو كانت فقرة من برنامج تلفزيوني ساخر، للتنكر لقواعد التعايش المزعوم. فتستعيد ساحات التلاقي والانصهار، وظيفتها الاصلية كخطوط تماس نموذجية، لا تنقصها سوى أكياس الرمل والمتاريس لتعود الحرب بكل جنونها، وعبثها المجاني المدمر.

بين النظرية والممارسة

* يتحدث محمد سلامي في بحثه «التعليم الديني وانتاج المعرفة»، الذي نال بموجبه شهادة الدبلوم في علم الاجتماع من «الجامعة اللبنانية»، عن ظاهرة بارزة توصل اليها بعض العاملين على دراسة الواقع الاجتماعي العربي، تتلخص في انعدام القدرة على ترجمة القيم النظرية إلى سلوك يومي فردي وجماعي. ويؤكد سلامي في دراسته أن التعليم الديني في لبنان يحقق نجاحا بالغا في اغناء معارف المتعلم الدينية، وتحفيزه على الالتزام بالشعائر، لكنه يخفق غالبا في تجسيد هذه القيم كسلوك يومي أخلاقي وتسامحي.

يتفق الباحثون على ان خصوصية لبنان كبلد تعددي، تستدعي تربية وطنية موحدة لابنائه، تتيح لهم النشأة على قيم العيش المشترك. لكن السؤال الذي يثير الخلاف هو التالي: «هل يمكن لهذه التربية أن تكون بديلا عن التعليم الديني أو رديفة له؟»، هنا يرى أنصار التعليم الديني أن الدين احد السجايا الانسانية الاصيلة (فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها)، ويستند هؤلاء إلى تجربة الدول الشيوعية التي حاولت الغاء الدين من الحياة العامة، فكان أن ألغيت هي وبقي الدين قائما. ويثيرون الخشية من أن التخلي عن التعليم الديني المقونن قد يترك الساحة فارغة للعاطفة الدينية المتطرفة، مشيرين إلى أن الانحراف تحت شعار الدين يتأتى من الجهل بتعاليمه الحقيقية. التعليم الديني برأي هذه الفئة هو وسيلة لتقويم الاعوجاج الناجم عن الجهل وسوء التأويل. وجهة النظر هذه، التي تبدو متماسكة للوهلة الاولى، لا تبقى كذلك بعد طرح الاسئلة التي تستثيرها: هل يركز التعليم الديني على المساحات القيمية والاخلاقية المشتركة بين الناس، ليسهم في توحيد المجتمع؟ وهل هناك فرصة لتكامل الثقافتين الدينية والوطنية؟ أم أن الامر مفتوح على تناقض جذري في ظل اختلاف مبادئ ومناهج التعليم، وفقا لتعدد الطوائف، ناهيك من المذاهب المختلفة داخل الطائفة الواحدة؟ وكيف نطلب من المواطنين أن يتوحدوا كبارا في حين يجري تقسيمهم على قواعد طائفية وهم صغار؟ أيضا: ماذا عن استقالة الدولة من وظيفتها البديهية كمشرفة على الكتب المعتمدة في المدارس الرسمية والخاصة، عندما يتصل الامر بالتعليم الديني الذي يمارس أثرا على أذهان الناشئة يزداد مع الزمن رسوخا؟

العصبية في مواجهة الرحابة

* يرى العلامة محمد حسين فضل الله، أن مشكلة التعليم الديني عائدة الى كونه يتناول المذهب في مفرداته وليس في ثقافاته، هو يؤول بالتالي الى ترجيح كفة مذهب ديني على سواه، وذلك على حساب الدين في كليته وعمق حركته، مما يدخل العملية التعليمية في دائرة ضيقة يحصر الانسان في داخلها فتفسد عليه رحابة الانتماء الديني، دافعة به الى دهاليز العصبية الضيقة. اما الاخطر، برأي فضل الله، فهو ما انتجه الركون الى ضبابية المفاهيم من تكفير للآخر المختلف عنا، والتضييق على أي حوار عقلاني يسمح باستخلاص المشترك بين الرؤى التي تبدو للوهلة الاولى متناقضة.

الباحث أديب صعب يرى أن الرعاية الدينية لا تتحقق عبر اللاهوت العملي والنظري فقط، وانما من خلال الثقافة الدينية المنفتحة على علمي النفس والاجتماع، لان الدين سلوك يومي وليس مجرد اسقاطات تاريخية وفلسفية. صعب يرصد ابتعادا للدراسات الدينية عن مفاهيم غالبية الفلاسفة الذين لم يظهروا ودا حيال الدين، ويقول بضرورة التركيز على الواجبات الانسانية التي تقرب بين الناس وليس على العقائد التي تفرقهم. كما يدعو أديب صعب الى اخراج التعليم الديني العقائدي من المدارس، وتبني التعليم الوضعي أو الموضوعي الذي يتعامل مع العقيدة بوصفها جزءا من الدين، وليست الدين كله.

العلمنة أيضا هناك

العلمانيون لهم موقفهم من التعليم الديني الداعي الى اقصائه عن المدارس، استنادا الى عدم الانسجام بينه وبين الوظيفة الاجتماعية للمدرسة، حيث لا يمكن للحاضنة التعليمية ان تكون مكانا للتبشير الديني. كما انه يعيق الطفل عن بناء خياراته بحرية، اضافة الى ما يسهم به التعليم الديني من تربية الناس على الانغلاق والنفور الطائفي. الحركة العلمانية اقترحت ادخال مفهوم التنشئة على عدم التمييز الطائفي في كل مراحل التعليم، ومنع فصل التلامذة بحجة التعليم الديني، اضافة الى تعليم ثقافة انسانية شاملة حول المعتقدات السلوكية والقيمية. ويرى المطران غريغوار حداد، احد رجال الدين المؤيدين للعلمنة الشاملة، ضرورة التمييز بين التثقيف الديني الشامل، والتربية الدينية المحصورة في مذهب واحد.

الدولة شريك طائفي

* شهد مخاض التعليم الديني في لبنان محاولة من قبل الدولة، قام بها «المركز التربوي للبحوث والانماء»، وذلك بوضع كتاب ديني موحد من شأنه التركيز على المشترك القيمي بين الاديان المتعددة، لكن التجربة آلت الى فشل ذريع، لان الطوائف انطلقت في مقاربة المسألة من كونها صاحبة الدين، وبالتالي فهي الاقدر على تعليم مبادئه. ويرى الباحث السياسي المحامي جان عقل «أن فشل التجربة يشير بوضوح الى استعصاء الطوائف على الصهر والتذويب في بوتقة واحدة، متجانسة». وهو يشرح «أن شرعية النظام السياسي انما تتحقق بمقدار انطباقه على البنية المجتمعية التي انبثق عنها، وان الدولة ليس بوسعها تغيير المجتمع لانها تتبع له، وتنفرز عنه»، لعل اكثر ما يمكنها فعله هو المساهمة في اعادة تشكيله، من خلال اضفاء المشروعية على جملة الديناميات المعززة لصورته. هكذا تتواصل السلطتان السياسية والاجتماعية في منظومة من الجدل المصلحي، فاحداهما تشكل الاخرى ثم تتشكل بها، وهكذا دواليك.

عقل يجزم «ان الدولة ليست مؤسسة فوق الطوائف، بل هي تمارس وظيفتها انطلاقا من صلاحيات محدودة منحتها اياها الطوائف المؤسسة للكيان، اما تغيير المجتمع فيستلزم اقامة مؤسسات تغييرية خارج القيد الطائفي وفي مقدمها المدارس».

كلام عقل يجد مكافئه في حديث رئيس «مركز الدراسات الاسلامية المسيحية» في جامعة «القديس يوسف»، الاب صلاح ابو جودة الذي يعبر عن اعتراضه الصريح على الكتاب الديني الموحد، كونه وسيلة لتبسيط العقائد الدينية، بهدف ايجاد حل ذرائعي للخلافات القائمة اصلا بين الاديان، التي يمكن التفاعل معها من خلال الاعتراف بوجودها أولا، وتكريس تربية علمية مسؤولة تعلم التلامذة قبول التعددية، والتعرف على الآخر، واكتشاف القيم المشتركة على المستوى الانساني والاجتماعي، من دون الوقوع في التبسيط المخل، الذي يفرغ العقيدة الدينية من فحواها. يشترط أبو جودة تعليما دينيا مدروسا يساهم في تعزيز الايمان والتقوى على حساب التعصب والانغلاق، ويرى أن من شأن ذلك أن يؤدي لقيام نهضة روحية تقهر التزمت الطائفي.

ضجة تبلغ مداها

* ويظل التعليم الديني معضلة جوهرية لوقوعه على التخوم الفاصلة بين المقدس المحظور تناوله واليومي المراكم لعوامل التفرقة، ليجعل فسحة العيش المشترك تتضاءل باستمرار، حيث الضجة تبلغ مداها الابعد ما بين هذا الذي بناقوس يدق، وذاك بمئذنة يصيح، ولا يزال المعري يهتف سائلا عن الصحيح.

Login to your eMail Account
Email:  
Password: