Top stories

 

Click for the latest Montreal weather forecast.
Click for the latest Montreal weather forecast.

 

كتاب نبيل خليفة عن الخصوصية اللبنانية دعوة في الموعد المناسب الى قيام وطن مميز ... لبنان بين الأفكار والأوهام... كيان جغرافي نهائي ومصير سياسي معلَّق

الحياة 2007/02/19

ميشال أبي فاضل

منحت جائزة المونسنيور اغناطيوس مارون الأدبية للعام 2006 للدكتور نبيل خليفة على كتابه: «مدخل الى الخصوصية اللبنانية»، هذه الدراسة تلقي الضوء على مضمون هذا الكتاب وعلى أهميته بالنسبة الى الفكر الوطني اللبناني.

يأتي كتاب الدكتور نبيل خليفة «مدخل الى الخصوصية اللبنانية» (اصدار خاص) في موعده الوطني المناسب، فهو بعلميته دعوة للباحثين اللبنانيين الى حوار رفيع المستوى يقبل عليه النيّرون في زمن نأمل أن يحضّر لوفاق عقلاني ينهي من الأذهان مآسي الحرب، ويؤسس لحقبة يطغى فيها تقبل الآخر والتعاون معه في سبيل قيام وطن مميز.

يتألف الكتاب من عرض وتوطئة ومدخل الى مفهوم الخصوصية وثلاثة أقسام: الأول بعنوان عناصر الخصوصية اللبنانية، والثاني لبنان في نظر بعض مفكريه، والثالث الخصوصية اللبنانية على محك المفاهيم والخيارات، وخلاصة وبيبليوغرافيا وثبت وثلاثة فهارس.

وقد شاء الباحث أن يتوّج عمله بكلمة تقديم للبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير في الكتاب تعطيه طابعاً وقوراً على أساس درجة المقدّم الدينية، ومرتبته الوطنية المميزة التي جعلته الشخصية المتمتعة بثقة اللبنانيين جميعاً. والكتاب أطروحة علمية حظيت باهتمام أكاديمي موضوعي، نظراً الى وقوع الكتاب في دائرة الضوء، باعتبار أنه يثير أفكاراً تتلاقى وترسيخ العيش المشترك من خلال تقبل الآخر، وتعزيز التوافق والحوار في وطن اتفق في الشكل «على نهائيته».

يعرض المؤلف أربعة اسئلة يحاول الاجابة عنها: ماذا تعني الخصوصية اللبنانية؟ ما هي عناصرها؟ كيف ينظر اليها بعض المفكرين؟ وما هي الخيارات المتاحة للحفاظ عليها؟

ويحدد اشكالية موضوعه في مقومات جغرافية وتاريخية جعلت من لبنان كياناً بالفعل، بإرادة بنيه ورضى العالم. لكن هذه الارادة لم تكن تامة، وهذا الرضى تأثر ويتأثر بواقع السياسة الدولية، وبتيارات فكرية وسياسية في الداخل والخارج تتساءل عن مدى استمرارية هذا الكيان، ومدى مشروعيته.

أما المسلّمة الأساسية فتقوم على النظرة الى لبنان بأنه شيء خاص في ذاته، كياناً ومصيراً، فهو يتميز عن غيره وليس امتداداً لسواه.

ويعتمد الباحث في أطروحته المنهج الثقافي – التاريخي المستند الى ما تقدمه السوسيولوجيا والجغرافيا السياسية.

يستهل خليفة موضوعه بقسم أول يبحث في «عناصر الخصوصية اللبنانية»، فيعتبر الانسان مرتبطاً بالأرض، وهو على حد قول دي لا بلاش، جزء من السلسلة التي تربط بين الأشياء والكائنات، أي بينه وبين وسطه، وهو فاعل ومنفعل به، وهو كائن اجتماعي تختلف بيئات عيشه، وعلاقته جدلية بينه وبين بيئته. ومن علامات هذه العلاقة نوع البشرة والتركيب الفيزيولوجي، والعلاقة بالجماعة (وحدة – تفرد). وعملية انتشار الانسان على الارض أمر معقد وصعب، فقد حصلت هجراته بتأثير رغباته في سد حاجاته، وترك التنقل بصماته على العلاقة بين المجتمعات، فحدثت الحروب لاختلاف على غنى الارض خصوبة وموارد.

وفي مواقع من الأرض تكونت جماعات إثنية مركبة بعضها منفتح على الآخرين وبعضها منغلق، وبعضها الآخر يحمل طابعاً توفيقياً. وتميزت شخصيات الناس بتميز أماكن اقامتها، فسكان الساحل مرتبطون بعالم خارجي، وهم منفتحون غير انطوائيين، بينما سكان الداخل كثيراً ما ينعزلون وينغلقون، والبيئة الجغرافية تحض المجموعات الانسانية على التحرك أو الانطواء.

ولما كان موقع لبنان في منطقة الهلال الخصيب، فقد جعله هذا الموقع نقطة التقاء وتصادم لمعظم شعوب العالم القديم والحديث.

ولبنان على ما قال المؤرخ جواد بولس «منطقة طبيعية ووحدة جغرافية واضحة التفرد» وهو «ليس شطحة قلم». «وتبدو حدود سورية، على ما يقول الجغرافي بول سانلافيل، حدوداً مصطنعة ما عدا حدودها الغربية مع لبنان المارة عبر قمم حرمون وسلسلة جبال لبنان الشرقية، حيث تتخذ حدود الدولة السورية في هذه الجهة فقط مضموناً جغرافياً».

وخصوصية لبنان الأدبية والإثنية، باستنادها الى الأنتروبولوجيا اللبنانية في واقعها الإثني والمادي والثقافي، أهم من التوكيد على أسماء الامكنة والعائلات كمعايير أساسية لإثبات الانتماء والهوية لدى اللبنانيين.

ويعتبر الباحث أن الدم وفئاته تحدد العرق، وأن الاجتهادات الايديولوجية والتنظيرات لا يمكن أخذها في الاعتبار، وأن التوزيع الجغرافي لسكان لبنان ليس له سوى تأثير ضئيل جداً في عرق سكانه. وقد عرف لبنان الانفجار الإثني والهجرة والاستيطان. واستناداً الى العالم الأثنولوجي كارلتون، يرى الباحث أن اللبنانيين يختلفون عن العرب الذين يتكلمون لغتهم لجهة شكل الجسم، وطول الجذع، وقصر الأرجل، واستدارة الصدور، وقصر الرقاب وعرض الرؤوس والوجوه وعرض الأيدي وكبر الأقدام.

ومن حيث اعتباره اللغة معياراً للخصوصية، يرى خليفة أن النظرية اللبنانية تشدد أكثر على أهمية القيم في لقاء التاريخ والجغرافيا. وهو يستند الى الشاعر أدونيس في قوله بتغلب المنحى الاتباعي الثابت على المنحى الإبداعي المتحول في الثقافة العربية، ويرى أن التحول هو الذي يخرج الثقافة العربية من الانغلاق الى الانفتاح، وأن اللبنانيين نجحوا في الانفتاح الى حد كبير.

ويرى خليفة أن الشعر العربي في أزمة تتعلق بالنموذج والبناء والقيم واللغة والخلق. ويعتبر جبران خليل جبران الرائد والمبدع والنموذج للخصوصية اللبنانية، وكذلك الشاعر سعيد عقل الذي جسّد الخصوصية اللبنانية كلمة وموقفاً ولغة شعرية تمتاز بلاهوتية ورمزية. ويعتبر أن تبادعية عقل تفرض سيادة الحرية والجودة، وأن الانسان لا يبدع وحده إلا اذا راح يبدع معه سائر الناس. وتشكّل مجلة «شعر» الصادرة في بيروت ملتقى ومصب التجارب الشعرية الحديثة، وهي تطل على خير ما في حضارة الانسان.

ويشير الى أن المسيحية هي في جذور الخصوصية اللغوية – الشعرية. فالمسيحيون (الموارنة بخاصة) كانوا على علاقة بالغرب من خلال المدرسة المارونية في روما، والمجمع الماروني اللبناني (1736) والانتشار اللبناني في الغرب وانتشار الارساليات الغربية في لبنان، والثقافة الموسوعية والترجمات والتفاعل مع المدارس الأدبية الغربية ونظرياتها الأدبية، وتيار العلمانية المتمثل في طرح المفكر انطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي.

ويعتبر الخصوصية الاقتصادية قائمة، إن من منظور اشتراكي أو منظور ليبرالي، ويدرس ذلك من خلال المفكرين محسن ابراهيم وميشال شيحا. وهو يمزج آراء ابراهيم بموقف منظمته (منظمة العمل الشيوعي) ويقارن النظرتين الشخصية والحزبية بنظرة الحزب الشيوعي ويحدد نقاط الاتفاق بينهما، لا سيما في تبعية الرأسمالية اللبنانية للسوق الرأسمالية العالمية ونمط الانتاج اللبناني. ولا يفصل ابراهيم النظرة السياسية الى المستقبل اللبناني عن النظرة الاقتصادية.

أما ميشال شيحا فيرى ان اقتصاد لبنان اذا لم يكن مبنياً على الزراعة والصناعة في الدرجة الأولى، فهو مبني على الخدمات حيث يستطيع أن يبدع ويبرع ويؤكد خصوصيته في التقدم والامتياز على الآخرين.

ويؤكد شيحا أن موقع لبنان الجغرافي وتاريخه، وتمسكه بالحرية المتمثلة باقتصاد الخدمالات، واعتماده ملجأ للرساميل ومكاناً للإقامة، وسهلاً للمسافرين ومرور البضائع، جعلت منه بلداً تجارياً مميزاً.

وفي مجال الخصوصية السوسيو – ثقافية، يعتبر خليفة لبنان تجربة نصف أقلوية، فخريطة لبنان الإثنية تظهر، بحسب الأرقام، أرجحية للمسلمين بنسبة 51.5 في المئة في مقابل 48 في المئة للمسيحيين، علماً أن في منطقة الشرق الأوسط 59 أقلية دينية – إثنية – لغوية سببها كون الشرق الأوسط مهد الديانات، وهدفاً لهجرات الشعوب، وملجأ جغرافياً للأقليات الهاربة من الاضطهاد... ولما كانت هذه الاقليات تسعى لقيام دولة لها، فإن معوقات تقف دون ذلك، اهمها ضعف القدرة العسكرية الذاتية، وجاذبيتها للثروة النفطية المطموع فيها، وعدم قدرتها على الحياة اقتصادياً، وانتشار أقلياتها في اقاليم متباعدة وتنوع المواقف السياسية داخل أقليتها.

ويقارن الباحث الاقليات والسلطة والأرض بين لبنان واسرائيل، ويرى «ان الرد على التحدي يرتبط بطبيعة التحدي». ثم يعرض نماذج للدول الاقلوية ليصل الى نموذجي لبنان وكردستان. فيستنتج أن الاقليات تجد في الايديولوجيا أفضل شرعية لها، وأفضل حقل للعمل والنشاط.

وفي تناوله الخصوصية الجيو – سياسية يركز الباحث على حوار الارض والانسان في لبنان والشرق الأدنى، ومأزق الدولة الشرق أدنوية، ثم يتناول لبنان – الدولة من منظور استراتيجي، ويخلص الى أن موقع لبنان الفلكي هو «الاعتدال»، والاطلسي الجغرافي هو الانفتاح، والسياسي هو موقع الوسيط، والاستراتيجي هو «نقطة الوسط في دائرة الشرق الأوسط» الملتهبة بالبترول والظمأى في صحاريها الى قصر المياه اللبناني الذي تتدفق أمواهه في كل الاتجاهات.

وينتقل الباحث إلى القسم الثاني من الكتاب – الاطروحة وهو بعنوان «لبنان في نظر بعض مفكّريه». فيمهّد للحديث عن نظرة المفكرين اللبنانيين «المختارين» للحديث عن الخصوصية اللبنانية بتحديد الزوايا التي نظروا منها إلى هذه الخصوصية، وهي: الوضعية الجغرافية – التاريخية – المجتمعية، والفلسفية التي تعرض للبنان في حدّ ذاته كياناً ومصيراً، والرؤيوية التي تعنى برسالة لبنان ودعوته التاريخية.

ويبدأ الكلام مع الخصوصية المعلقة بين السوروية والعروبوية، بين نظرتي أنطون سعادة وكمال الصليبي، فيجد أنّ سعادة ينفي عن الكيان اللبناني المبررات الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والروحية والتاريخية، ويرى «أن يكون لبنان وسورية دولة واحدة، إذ هما شعب واحد في بلاد واحدة غير قابلة لتجزئة». والكيان اللبناني اقتضته ضرورة قيام الدولة على أساس الدين، وهو حلّ لا يخلق جنساً جديداً. ولهذا الكيان خصوصية معلقة ومكررة، فيرى سعادة «تأمين الكيان اللبناني وتثبيته باعتباره نطاقاً قومياً يتضمن القيم السورية وعملها باستمرار»، وكذلك «اعتبار الكيان اللبناني نطاق ضمان للفكر ولانطلاق الفكر» بالمطلق، «فلتصطرع فيه العقائد بحرية... إن مشكلة العقائد في لبنان هي مشكلة الحرية... ومشكلة الحرية لا تحلّ إلاّ بالحرّية... فلبنان يحيا بالحرية ويندثر بالعبودية». وهكذا يعطي سعادة الكيان اللبناني بُعدين هما كونه نطاق ضمان للفكر بالمطلق، وكونه ضماناً للحرية.

وقد حدّد كمال الصليبي الكيان اللبناني «بالمنطقة التي تبتدئ بقمم جبال لبنان الشرقية وتمتد حتى البحر...» ويرى أن نواة هذا الكيان تعود إلى العام 1667 عندما «أعاد الأمير أحمد المعني وحدة المناطق الدرزية وكسروان». وقد انضمت إلى هذا الكيان المناطق الشمالية. وكان فخر الدين المعني أساساً للفكرة اللبنانية.

وبعد أن يربط الصليبي ازدهار لبنان وتقدمه بالحرية، يعود ليربط خصوصية لبنان بأوضاع اجتماعية خاصة، ويعتبره «ظاهرة اجتماعية لا سياسية فريدة في بلاد الشام وفي العالم العربي». ويرفض أي ربط بين الكيان اللبناني المولود في حضن العالم العربي والنظرة الفينيقيوية. ويضع الخصوصية اللبنانية في مواجهة العالم العربي، ويبدو مؤمناً بالعروبة لا بالعروبية. ويعترف الصليبي بأن الموارنة هم مجموعة قبائل، وهم الأكثر نجاحاً بين مسيحيي العالم الإسلامي، ولكنه يرفض إدعاءاتهم التاريخية كشعب يطالب بلبنان الكبير.

وينتقل الدكتور خليفة للحديث عن الخصوصية الموصوفة لدى ثلاثة من المفكرين اللبنانيين هم: يوسف السودا، ميشال شيحا وجواد بولس.

ويفرد خليفة القسم الثالث من كتابه للخصوصية اللبنانية من حيث وضعها على محك المفاهيم والخيارات.

ففي فصل الهوية والانتماء، يرى تحوّلاً في مضمون الخطاب السياسي في العالم الثالث بدأ ينتقل من المستوى السياسي إلى المستوى الايديولوجي، من الدفاع عن حق تقرير المصير إلى الدفاع عن الهوية الثقافية للجماعات والمجتمعات على حد سواء. وهو يتبنّى المصطلح الفلسفي العربي القديم، فيقول إن خصوصية الكائن هي في «اعتباره وجوداً منفرداً متميزاً عن غيره»، وفي اعتبار «خصوصيته ووجوده المنفرد له الذي لا يقع فيه اشتراك».

أما في موضوع الانتماء، فيرى اختلافاً غير قليل بينه وبين مفهومي الهوية والانتماء. فالهوية اتجاه انحداري من قلب الثقافة إلى عمق الكائن يخترق درجات عدة في الهوية، والانتماء هو اتجاه ارتقائي باعتبار الرمز والجغرافيا والحضارة. والعلاقة في الهوية تقدم على التماهي، والهوية تبرز معنى الخصوصية، في حين ان الانتماء يبرز معنى الشمولية، سواء بالنسبة الى الكائنات الحيّة أو غير الحيّة. ويحدث تفاعل جدلي بين الجماعات من حيث هويتها الجماعية أو المجتمعية ومحيطها الجغرافي. وتبقى مسألة الهوية العليا لمجتمع ما، مسألة نسبية خاضعة لواقع الحقيقة الاجتماعية التي يقول بها هذا المجتمع. والعناصر الأساسية لتحديد وظيفة الانتماء إلى هوية معينة هي مبادئ النسب (العائلي أو القبلي)، والتشابه (الجنس أو الإثنية)، والترسّخ (البلد أو الأرض) والتنظيم (الدولة أو المنزل). وبمقدار ما تلتقي هذه العناصر وتتفاعل، تبرز مفاهيم الجماعة والشعب والوطن والأمة، واستطراداً مفهوما القومية والجنسية.

ويفرّق الباحث بين عروبة وعروبوية. الأولى هي انتماء حضاري أو لغوي أو جغرافي، بينما الثانية هي انتماء إلى هوية وإلى أمّة ذات علاقة حميمية بالإسلام.

ويصل من البحث في الهوية والانتماء إلى الكلام عن العرب والعروبة، فيحدّد مفهوم الانتساب العرقي بنسبة العرب إلى جدّهم يعرب بن قحطان «أول من أنطق الله لسانه بلغة العرب». ويجد ان التعريف الموسوعي للعرب يجمع الشعب والإثنية واللغة.

وينسب العرب إلى اللغة العربية باعتبارها أكثر اللغات إعراباً، أي بياناً وفصاحة... ويتبيّن بعودته إلى الجغرافيا والتاريخ وجود ثلاث دوائر: دائرة العنصر العربي، دائرة اللسان العربي ودائرة القرآن العربي (الإسلام)، وهو أكثر اتساعاً من الدائرتين الأوليين.

وفي مقارنته العروبة اللبنانية بالعروبة عموماً، يخلص الباحث إلى القول: «إنّ هذه العروبة اللبنانية «الشاذّة» عن القاعدة، هي في الحقيقة غنى القاعدة ومهمازها في آن... وهي التي تُحرج القاعدة وتخرجها عن الرتابة، بل عن التقاعد لتربطها بعناصر التجديد والتغيير في الحضارة الإنسانية».

إنّ المصير اللبناني موضوع على المحكّ، والخيارات التي يتراءى مصير لبنان من خلالها تنحصر في ثلاثة: الانضواء في نظام اقليمي، تحييد دولي للبنان أو استمرار لبنان بلد دعوة تاريخية ذاتية.

يرى مؤيدو انضواء لبنان تحت نظام اقليمي ان طرحهم يسبّب حيوية لبنان وبقاءه، وانفتاحاً على العروبة وخلاصاً من الاقتتال والصراعات الداخلية، وانخراطاً في أجواء التعاون الاقليمي واستجابة لتحدّي الصراع العربي - الإسرائيلي، ودخولاً في نواة «سوق عربية مشتركة».

ويرى بعضهم أنّ الحياد هو الحل الوحيد، لأنه سيجعل من مدن لبنان وقراه ومناطقه مركزاً للنهضة الاقتصادية الكبرى في الشرق من دون أن ينقص من انتماءات لبنان العربي ومن قراراته السياسية الاقتصادية. ويعتقد هؤلاء بأن حياد لبنان سيكون نعمة للمسلمين قبل المسيحيين. ولتحقيق هذا الحياد يرى الباحث ضرورة تشكيل قيادة جماعية وتوازن في السلطة السياسية، واعتماد لا مركزية تؤمّن وحدة اللبنانيين وحرّيتهم معاً، يؤيّد كل اللبنانيين هذا الحياد (خصوصاً المسلمين) بموافقتهم واقتناعهم.

ويعني استمرار لبنان بلد دعوة تاريخية ذاتية انه يحمل في ذاته قيمة ذاتية باطنة يستمدّها من طبيعته الخاصة، وليس من سواه، أو بفضل سواه. فهو بلد ذو دعوة تاريخية وأهمية وقيمة ومصلحة عالمية.

وتختصر دعوة لبنان في أنه بلد اللقاء والحوار والتفاعل والحرية والاستقلال المرتبط بالشرق العربي والمنفتح على العالم، بلد الثقافة والحضارة والابداع والحداثة.

ولا تتحقق هذه الدعوة إلا في اطار الواقعية والاعتدال، وفي جو قيادة جماعية يشعر فيها الفرقاء أنهم ممثلون في السلطة وفي القرار، وفي ظل لا مركزية تحفظ لكل جماعة حريتها الثقافية، وحصانة يوفرها الوضع الدولي للبنان.

وينهي خليفة كتابه بخلاصة عامة تؤكد خصوصية الكيان السياسي اللبناني التي ساهم فيها التاريخ والطبيعة وقسم من اللبنانيين وبعض الأجانب.

وقد تمحور الاختلاف حول هذه الخصوصية في التطرّف دفاعاً عنها، والتطرّف لإلغائها، والاعتدال في النظرة إليها وإلى مضمون الكيان السياسي الناتج منها.

لم تعد خصوصية لبنان تقلق المسلمين، كما في الماضي، فبعض من هؤلاء يرى ان في الإمكان القيام بتجربة إسلامية خاصة يُمارس فيها نسق من الحياة، ويمارس فيها حدّ معين من الديموقراطية. وقد اقتنع اللبنانيون بأن جهة واحدة لا يمكن أن تهيمن على لبنان، وأن احتواء الخصوصية اللبنانية وتثميرها كرصيد غنى وتميّز لا يتمان إلا في اطار مشروع نهضوي عربي حقيقي منفتح على الوعي الديموقراطي.

وخلاصة القول: «إن بلداً كهذا، لكي يبقى ويستمر، لا بدّ من أن تحكمه الأفكار وليس الأوهام».

كاتب لبناني

Login to your eMail Account
Email:  
Password: