Top stories

 

Click for the latest Montreal weather forecast.
Click for the latest Montreal weather forecast.

 

"يؤلمنا أن أبناء بلدنا يمنعوننا عمداً عن العمل"
نصف المحال والمطاعم في الوسط التجاري أقفلت أخيراً
خسائر اعتصام المعارضة: مئات الوظائف وملايين الدولارات

النهار 2007/02/17

"لسنا من هونولولو، بل كلنا لبنانيون، ومن جميع الطوائف والانتماءات السياسية": بهذه الكلمات يلخص صاحب احد المطاعم في وسط بيروت التجاري شعوره بالغبن، الذي يشاركه اياه معظم المستثمرين الآخرين وموظفيهم. فـ"الداون تاون" يبدو اليوم اشبه بمدينة اشباح هجرها روادها لاسباب عدة، ابرزها الاعتصام المفتوح الذي اطلقته المعارضة قبل اكثر من شهرين ونصف الشهر امام السرايا الحكومية لارغام الحكومة على تحقيق مطالبها.

تحقيق رلى بيضون وطوني ابي نجم

نصف مؤسسات قلب بيروت اغلقت ابوابها خلال الاشهر الثلاثة الاخيرة، ومن بقي يناضل قد يحذو حذوها قريبا اذا استمر الجمود... والمخيم، الذي لم يعد يضم الا حفنة اشخاص وعشرات الخيم الفارغة. قطاع السياحة ينزف، ومعه الاقتصاد اللبناني برمته. وفي حين ينتظر السياسيون نتائج مبادرات اقليمية ودولية، ثمة كارثة محلية تضرب الاف المواطنين الذين لم يعودوا يستطيعون الانتظار. ويذكّر بعضهم بحقيقة غابت عن كثر: "عندما ينهار قلب العاصمة، ينهار البلد كله."
مأساة حقيقية تضرب قلب العاصمة. وابعد من الضرر الناتج من صورة بيروت التي تقدم الى اللبنانيين والعالم منذ اطلاق الاعتصام قبل اكثر من شهرين ونصف الشهر، السلبيات كثيرة جدا.
اقتصاديا، خسائر المستثمرين تزداد يوميا وتخطت كل التصورات. وقد اقفل 77 مطعما ومحلا تجاريا خلال الاشهر الثلاثة الماضية، اي نصف المؤسسات التجارية والسياحية العاملة في الوسط. ويصيب الضرر مؤسسات اخرى كثيرة تتعامل معها او تستفيد منها، مثل الشركة التي تدير عددا من مواقف "الداون تاون" والتي اضطرت الى صرف نصف موظفيها. وتشمل الخسائر اصحاب الملك في الوسط، وقطاعات الكهرباء والهاتف والمصارف، وكذلك الدولة التي تتراجع نسبة الرسوم والضرائب العائدة اليها من الوسط. ولا تقتصر الاضرار على منطقة "سوليدير" وحدها، بل تطول كل الاقتصاد اللبناني، الذي تأثر كثيرا بالوضع السياسي وغياب السياح وقلق اللبنانيين الذي يمنعهم من الانفاق.
اجتماعيا، الوضع كارثي، اذ فقد الاف الموظفين، وتاليا الاسر، لقمة العيش الوحيدة. وبعض المؤسسات التي لم تقفل اضطرت الى اعتماد صيغة الدوام النصفي للعاملين، مع ما يتبع ذلك من "راتب نصفي" و"ثلثي" احيانا، وحسم لل"كوميسيون" في كل الحالات. واخطر ما في الموضوع ان معظم الموظفين الذين فقدوا عملهم لم يجدوا آخرَ بديلا، ولم ينتظر بعضهم تحسن الوضع فغادر لبنان.
وطنيا، يؤدي استنزاف الوسط الى تغييب منطقة التقاء جميع اللبنانيين، من كل الطوائف، وبدأ كثر يفضلون ارتياد مطاعم ومتاجر مجاورة لمنازلهم ولأحيائهم، ما يهدد تدريجا باعادة الفرز الذي خلفته الحرب والذي ساهم "الداون تاون" في تخطيه نسبيا.
من يتجول في الوسط يشعر بحزن عميق. فقبل اشهر، وتحديدا مطلع الصيف الماضي، كانت المنطقة مزدهرة وتستعد، اسوة بلبنان كله، لموسم سياحي واعد. اما اليوم، فتبدو خالية الا من اصحاب المؤسسات والموظفين وبعض الزبائن المخلصين. يافطات تعلن الاقفال الصقت على واجهات متاجر عدة، ولجأت مطاعم متنوعة الى الوسيلة نفسها للاعتذار من روادها وابلاغهم انتقالها، الموقت احيانا والدائم غالبا، الى مناطق اخرى اقل ظلما.
الكل متضرر في الوسط، الذي يواجه صعوبات كبيرة، بتقطع، منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005. "لكن مرحلة الـ40 يوما التي تلت الجريمة، مع ما شهدته من تظاهرات جامعة ادت الى استقلال لبنان الثاني وانسحاب الجيش السوري، وحتى الحرب الاسرائيلية في تموز وآب الماضيين، لم تؤذيا "سوليدير" كما يفعل الاعتصام"، وفقا لاحد اصحاب المطاعم.
ويضيف: "كانت مرحلتا "الحوار والتشاور" مضرتين ايضا، الا اننا أملنا آنذاك في ان يتفق المتحاورون ويتحسن الوضع. كما اننا ننزعج اليوم من انعقاد مجلس الوزراء دوريا، ولو ان اقفال الطرق الذي يرافقه لا يتجاوز بضع ساعات. لكن الاعتصام هو المشكلة الكبرى، وليس مصادفة ان معظم المؤسسات التي اقفلت اغلقت ابوابها بعد انطلاقه".
فالمحال والمطاعم في الوسط، كما في كل لبنان، تراهن على ثلاثة مواسم اساسية تحقق خلالها اكثر من ثلثي رقم اعمالها: الصيف، اعياد الميلاد ورأس السنة، عيد الاضحى. لكن هذه السنة، نُسفت المواسم الثلاثة، الاول بسبب "حرب تموز"، الاثنان الاخران بسبب الاعتصام.

هل يقفل "آيشتي" و"فيرجن"؟

الخسائر لدى المحال الكبيرة بلغت ارقاما هائلة، واصبحت تهدد وجود هذه المتاجر في الوسط، مع كل ما يمكن ان ينتج من اقفالها من مشكلات اقتصادية واجتماعية.
تشكل محال وسط بيروت حوالى 60 في المئة من رقم اعمال الشركتين الكبريين في وسط بيروت، "آيشتي" و"فيرجن"، وتضم 60 في المئة من موظفي كل منهما. ويشرح رئيس مجلس ادارة "آيشتي" طوني سلامة ان الشركة سجلت عام 2006 خسارة فاقت المليوني دولار. اما رقم الاعمال هذه السنة، فتراجع في كانون الثاني بنسبة 30 بالمئة عنه في الشهر نفسه عام 2006، وفي شباط حتى الآن بنسبة 57 في المئة عنه العام الماضي.
بدوره يقول رئيس مجلس ادارة "فيرجن" جهاد المر ان المحل في وسط بيروت يخسر حوالى مليون ونصف مليون دولار سنويا منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. كما ان ستة محال من اصل 8 في الطابق الارضي من المتجر اقفلت اخيرا. وتراجع رقم الاعمال في الوسط الشهر الماضي بنسبة 70 في المئة عنه في كانون الثاني عام 2006، علما ان عام 2006 كان سيئا بذاته.
ويشدد سلامه والمر على نقطة مهمة جدا: ثمة خلط لدى الكثر بين شركة "سوليدير" من جهة وبين المواطنين اللبنانيين الذين استثمروا في الوسط او يعملون فيه. ومن يؤذي الوسط معتقدا انه يلحق خسائر بالشركة، او بقوى 14 اذار، او بالحكومة، او بأسرة الحريري، مخطىء لأن المتضررين الحقيقيين هم اصحاب المحال والمطاعم والمكاتب، وموظفوهم!
وابقى سلامه والمر على كل موظفي الشركتين، لكنهما اضطرا اخيرا الى اتخاذ اجراءات محدودة تحد من الخسائر: خفض الاول دوام عمل الموظفين ساعة واحدة يوميا، مما يقلص الرواتب بنسبة 10 في المئة تقريبا. كما انه ارسل بعض الموظفين، الذين طلبوا ذلك، للعمل في فرعي الشركة في دبي والاردن. اما الثاني، فقلص الدوام وصار المحل يفتح من الحادية عشرة قبل الظهر الى التاسعة مساء بدلا من العاشرة قبل الظهر الى منتصف الليل، ما يتيح توفيرا محدودا في الرواتب والكهرباء.
وبلغ اليأس لدى الشركتين حد التفكير جديا بالاقفال في وسط بيروت اذا استمر الوضع. كما انهما، مع غالبية المؤسسات الاخرى، يدرسان جديا امكان اقامة دعوى قضائية ضد المسؤولين عن الوضع الحالي في الوسط.

المنطقة المعزولة

المأساة اصابت كل الوسط، ولكن الاذى الاكبر كان من نصيب منطقة ساحة النجمة ومتفرعاتها، التي احتل المعتصمون كل المواقف القريبة منها، فعزلوها.
هذه الشوارع التي كانت في مثابة مطعم عملاق، تقدم كل زاوية منه "مطبخاً" محددا، فقدت الحياة. اقفل قسم كبير من مطاعمها ومقاهيها ومكاتبها، بعضها قبل اسابيع بسبب وقوعه ضمن منطقة الاعتصام مما اودى به سريعا، والبعض الآخر بعد نضال استمر اسابيع. اما من لا يزال "يقاوم"، فيفتح ظهرا فقط. ونحو السادسة بعد الظهر، عندما تصدح مكبرات الصوت في "المخيم" المجاور بالدعوات الى اسقاط الحكومة على انغام اغنيات وطنية وخطب رنانة، يضطر جيرانه الى الاقفال. وبعد السابعة مساء، تصبح منطقة مهجورة.
لماذا لا يأتي الناس الى "الداون تاون" اليوم؟ الاسباب كثيرة، يجيب احد اصحاب المطاعم القريبة من ساحة النجمة وقد خسر 150 الف دولار عام 2006: "اولا هناك مشكلة "الصف". فمع "احتلال" كل المواقف المجاورة، والاجراءات الامنية التي يتخذها المعتصمون، اصبح مستحيلا الوصول الى هنا، الا لمن يركن السيارة في احد المواقف البعيدة ويسير على الاقدام. ثانيا، وهو الاهم، "الجو" سيء هنا، بسبب المخيم. فما نقلته الشاشات من صور عن المعتصمين والخيم لا يشجع الزوار على المجيئ الى "الداون تاون"، خصوصا ان البعض لا يعرف تماما اين هم موجودون، ويعتقد ان المنطقة كلها مقفلة. ثالثا صار الناس يخافون من المجيء الى هنا، وزاد الامر بعدما اعتدى بعض المعتصمين على شارع المصارف يوم انعقاد مؤتمر "باريس 3" في 25 كانون الثاني الماضي، وبعد الثلثاء والخميس الاسودين. كذلك يساهم اقفال المحال التجارية في تقليص عدد رواد المطاعم، والعكس ايضا صحيح، ويتفاقم الجمود نتيجة الشلل الذي اصاب مجلس النواب، اذ كان البرلمانيون والصحافيون من الزبائن الدائمين في الوسط."
الا انه لا ينوي اقفال المطعم. "استثمرت فيه كثيرا، ولا اريد خسارة فريق العمل الذي دربته مدى سنوات. كما انني متعلق جدا ببيروت وبوسطها".

"يؤذوننا اكثر من اسرائيل"

ويقول ميشال، صاحب مطعم آخر، ان اللبنانيين هجروا الوسط هربا من المخيم. ويستشهد بالمثل الفرنسي القائل "من يبعد عن العينين يبعد عن القلب" ليشرح ان رواد الوسط ينسونه تدريجا. ويلفت الى ان من يريد ركن سيارته او دراجته النارية في موقف "اللعازارية"، وحتى لو كان مكتبه في المبنى، عليه الحصول على موافقة "حزب الله"، سائلا كيف يُمنح مدنيون لا ينتمون الى السلطات المعنية حق مطالبة الزبائن باوراق ثبوتية؟ ويوضح ان عناصر "حزب الله" يسمحون للناس بالمرور، لكن الخضوع لهذه الاجراءات يدفع كثيرين الى تجنب وسط بيروت. ويحمّل السلطات اللبنانية مسؤولية وصول الامور الى هذا الحد، لأنها منذ البداية سمحت للمعتصمين باحتلال المنطقة بذريعة انه اعتصام "ديموقراطي".
ويعتبر الوضع اليوم اسوأ منه خلال الحرب الاسرائيلية: "اضطررنا وقتها الى الاقفال، لكن عندما فتحنا كان رقم الاعمال اعلى منه اليوم. وقتها، قلنا لانفسنا هذا العدو الاسرائيلي، لا نستطيع ان نفعل شيئا، ولا بد ان ينتهي العدوان.
اما اليوم، فثمة مواطنون لبنانيون يستهدفون الوسط عمدا ويمنعونني من العمل، وهذه الفكرة تؤلمني كثيرا. الاسرائيلي لم يفاجئني، لكن لم اتوقع ان يؤذني اشقائي اكثر من الاسرائيلي. وما هو اسوأ من الضرر الاقتصادي هو قول بعض السياسيين: لا احد يمنعهم من ان يفتحوا ابوابهم. وهنا ذروة الخبث والنفاق. واريد ان اسأل المعتصمين: هل تعلمون انكم تخرقون يوميا حقوقنا بالامتلاك والعمل؟"
ويقدر موقف البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير، الذي كان اول من سأل بعد اسبوعين من اطلاق الاعتصام: "هل غاب عن اذهان المسؤولين عن هذه الاعتصامات ان هناك عائلات باتت في وضع اقتصادي شديد الحرج؟"، وعاد الى اثارة الموضوع في عظة الصوم منددا بـ"اقفال عدد من المتاجر بخاصة في وسط العاصمة لما اقيم فيها من خيم نصبها المضربون الذين يقضون معظم ايامهم ولياليهم في تدخين النارجيلة ولعب الورق، وقتل الوقت".
ورغم انه يخسر عشرات الاف الدولارات شهريا، لا ينوي ميشال اقفال مطعمه "اشعر بأنني مسؤول عن موظفي المطعم وعددهم 35، في حدود امكاناتي طبعا. ولكل منهم اسرة يعيلها، فالقصة ليست ارقاما اذ هناك اشخاص وعيل."

غضب من المعارضة

وكما المطاعم كذلك المحال، وغالبيتها متاجر ثياب واحذية و"فو بيجو" وهواتف خليوية. كلمة واحدة على الشفاه: "الشغل عدم." وينسحب الامر حتى على محل اشغال يدوية تكيف مع الاوضاع وحاول مسايرة الجميع عبر عرض منتوجات تحمل صور مختلف الزعماء السياسيين.
يروي هادي، شاب عاد الى لبنان بمبلغ جمعه بعرق جبينه في الخارج، انه استثمر الصيف الماضي كل امواله، اي نحو 150 الف دولار، في محل ساعات: "خلال الحرب الاسرائيلية "فتنا بالحيط". ثم اتى الاعتصام. لم يبق معي ولا ليرة. يقولون ان الوسط ليس للبنانيين. فمن اي جنسية نحن؟ كلنا لبنانيون، ومن كل الطوائف." ويعتبر ان عودته الى لبنان كانت خطأ، ويفكر بالهجرة.
ويذكّر صاحب احد المحال بأن الخوف من ارتياد الوسط بدأ حقيقة قبل الاعتصام: "يوم قال (رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد) ميشال عون عن "الداون تاون" "شو رأسمالها؟ تنكة بنزين وشوية شباب"، توقف العمل اسبوعا كاملا". ويؤكد انه كان سابقا من مؤيدي "الجنرال"، لكنه لم يعد يؤمن به.
اما المعتصمون، فلا ينفقون قرشا في الوسط. ولم تنجح مكتبة تقع في مبنى يتوسط الاعتصام الا في بيعهم بعض الكتب عن المقاومة. اما فرعها الثاني، المجاور ايضا، فاقفل "لأن الخيمة على الباب". ولم تقفل المكتبة كما غالبية المحال الواقعة في هذا المبنى، لانها تملك فروعا عدة خارج الوسط تعمل جيدا، وهذا ايضا ما يتيح لمحال ومطاعم اخرى الاستمرار في العمل.
وفي المحل الواحد تظهر خلافات سياسية بين الموظفين. ويعرب البعض عن تفهمه لتحرك المعارضة، "التي تمسك الحكومة من الوسط التجاري، اي من المكان الاكثر وجعا"، في حين يؤكد البعض الآخر ان من يصيبه الوجع فعلا هم السكان انفسهم.
ولا يخفي عدد من موظفي الوسط غضبهم من المعارضة: "لماذا لا يتظاهرون في الضاحية او في الرابية؟ لماذا هذا الحقد على الوسط؟ سيكملون حتى افلاس آخر محل وآخر مواطن في "سوليدير". هم يمضون بضع ساعات مساء في الخيم، يؤركلون ويستمعون الى الاغنيات، وربما ينالون مقابل ذلك اكثر مما بتنا نحصلّه، بعد خفض الرواتب."
وتروي بائعة تراجع مبيع محلها الى الربع بسبب الاعتصام: "احيانا يزرّكون لنا ويستفزوننا، ويسعدهم ان المحال فارغة من الزبائن، ويقولون سنبقى حتى سقوط الحكومة".
وبين اصحاب المؤسسات وموظفيها، ثمة من يعتبر ان الوسط مستهدف لاسباب سياسية فحسب، لما يرمز اليه من تلاق بين المواطنين وطي لمرحلة الحرب، ولأن من اعاد بناؤه هو رفيق الحريري.

شركة "سوليدير"

الا تستطيع شركة "سوليدير" مساعدة مؤسسات الوسط؟ يشرح مدير دائرة الاملاك في الشركة جورج نور انها تفعل كل ما في وسعها لمساعدتهم، تنفيذا لتعليمات رئيس مجلس الادارة المدير العام الدكتور ناصر الشماع في هذا الخصوص.
وهي تقدم نوعين من المساعدة: الاول موجه الى الشركات والمطاعم والمحال التي تشغل عقارات تملكها الشركة، ونسبتها 5 في المئة فقط من المجموع، اذ ان الجزء الاكبر من اصحاب الملك في الوسط هم افراد. وقد اعفت مستأجريها من ايجار شهرين، وتتعاطى مع كل منهم وفقا لوضعه الخاص، فتسهل الدفع، ولا تحتسب الايجار لمن اختار الاقفال الموقت، وتسهل اجراءات الاقفال لمن قرره.
اما الثاني فيشمل كل شركات الوسط ومطاعمه ويتمثل في حوافز تشجعها على عدم الاقفال. فقد سمحت الشركة خلال الاعياد باستخدام بعض المواقف مجانا. كما انها تؤمن، منذ كانون الاول، موقفا مجانيا في "البيال" مع باصات تنقل المواطنين الى الوسط ورجوعا ويستفيد منها خصوصا الموظفون. وقد اعفت كل الشركات من مساهمتها لسنة 2007 في "برنامج الخدمات والصيانة" الذي يشمل الحراسة وتنظيف الشوارع وتنسيق الحدائق وما اليه.
ويشرح نور ان المحال والمطاعم تضررت كثيرا، في حين ان وضع المكاتب جيد باستثناء تلك التي على مقربة من الاعتصام، لصعوبة الوصول اليها. اما الشقق السكنية، فلم تتضرر.
ويشير الى ان المشكلة الاساسية في الوسط ليست الايجارات، بل تقلص عدد الرواد، لاسباب عدة ابرزها الاعتصام. ويؤكد ان "سوليدير" مستمرة في العمل، وكل الورش قائمة.

المبادرات

ماذا عن المبادرات التي قام بها اصحاب المطاعم والمحال في الوسط، ومنها زيارتهم السياسيين؟ يقول صاحب محل:"لدى زيارة البعض، شعرنا بانهم غير مهتمين اطلاقا بوضعنا وان تحقيق اهدافهم هو الاهم ولو على حساب مصالح الآخرين. وقال لنا احد ممثلي المعارضة، وهو وزير سابق من حركة "امل": لا يهمني التجار اطلاقا، ما يهمني هو الشعب. وكأن الوفد الذي زاره، والمكون من 40 شخصا يمثلون الاف المتضررين، لم يضم اناسا من الشعب!"
خلال الجولة على المسؤولين، قدم المعنيون عددا من المطالب، مرتبطة بالرسوم البلدية والرسوم على الاملاك المبنية ومستحقات الـ TVA والقيمة التأجيرية والايجارات، هادفة الى اعفائهم من بعضها وخفض البعض الآخر. ونالو وعودا بدرس المطالب.
وما قد يسعفهم حقا، كما اوضح كثر، هو تحويل قروضهم في المصارف قروضا ميسرة، ليتمكنوا من تخطي هذه المرحلة.
وقد زار رئيس نقابة اصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري بول عريس قبل ايام وزير السياحة جو سركيس وسلمه مذكرة بمطالب مؤسسات الوسط ، داعيا الى اعطائها طابع "الضرورة القصوى" ومحذرا من ان استمرار الوضع قد يؤدي الى اقفال كل مؤسسات الوسط قريبا وصرف عمالها وخسارة الاستثمارات الباهظة. واقترح تخصيص قسم من الدعم المالي الذي اقر في "باريس 3" لتأسيس صندوق خاص بمؤسسات الوسط التجاري وتقديم قروض طويلة الامد بشروط ميسرة.
وابدى احد اصحاب المحال انزعاجه من اقتراح العماد عون، في مقابلة صحافية اخيرا، ان يلجأ متضررو الوسط التجاري الى "الهيئة العليا للاغاثة" لينالوا تعويضات. واوضح ان "هذه الهيئة تقدم تعويضات لمن تعرض لاعتداء اسرائيلي ام لغضب الطبيعة، لا لمن اختار مواطنوه ان يمنعوه من العمل". ولفت الى ان تشبيه تحرك المعارضة بكلا الامرين ليس مشرفا لها.
وكانت مؤسسات الوسط اطلقت منتصف كانون الاول الماضي مبادرة لانعاش المنطقة، والاقتصاد اللبناني كله، سمتها "بحبك بالشتي- لبنان 2007"، ادت فيها "آيشتي" دورا كبيرا، الى جانب اطراف عدة لـ "طيران الشرق الاوسط". وتضمنت اعلانات في الدول العربية ونشاطات ترفيهية في الوسط. وساهمت نوعا ما في تحريك الجمود في الوسط. كذلك اطلقت بلدية بيروت، بمبادرة من احدى اعضائها رلى العجوز، نشاطا في 30 كانون الاول الماضي سمته "قبلة الحياة لمدينة بيروت"، ساهم ايضا في تنشيط الوسط نسبيا. لكن الوضع ما لبث ان تدهور مجددا بعد الاعياد.
قبل يومين، في الذكرى الثانية لاستشهاد الرئيس الحريري، انتعش الوسط نسبيا، اذ تناول عدد من المشاركين في التظاهرة الغداء في مطاعم المنطقة. وفي المناسبة، يعود بعض اصحاب المطاعم والمحال بالذاكرة الى مبادرة شقيقة الرئيس الشهيد النائبة بهية الحريري بعد 40 يوما من اغتياله، والتي اعادت احياء الوسط التجاري بعدما تضرر نتيجة حركة الاعتصامات والتظاهرات آنذاك، ونتيجة مخاوف الناس اذ كانت بدأت التفجيرات تستهدف بعض المناطق. الا ان مهرجان "بيروت مدينة للحياة" الذي شارك فيه اللبنانيون من مختلف المناطق كان ناجحا جدا واعاد الحياة الى قلب بيروت. "لكن في حينه، لم يكن المخيم موجودا"، يقول احد التجار، وهذا ما يمنع تكرار التجربة نفسها اليوم. علما ان مؤسسات الوسط مستعدة لاطلاق مبادرات جديدة فور زوال الاعتصام، تحد من الخسارة، وتتيح اعادة توظيف معظم الذين خسروا وظائفهم.

•••

يبدو ان التفاؤل وحب الحياة ميزتان لبنانيتان ثابتتان. فعلى مسافة بضعة امتار من الاعتصام، في اعلى شارع المعرض حيث اقفلت مطاعم عدة، ثمة مقهى جديد يستعد لفتح ابوابه خلال اسبوع. ويؤكد علي حجيج، المدير التنفيذي في "كوستا كوفي" التابعة لشركة كبيرة، ان العقد وقع خلال الاعتصام وان الشركة ليست خائفة لأنها واثقة من قوة منتجها. ويضيف: "لدينا فرعان آخران. لكن هنا قلب البلد، ويجب ان نكون موجودين."

Login to your eMail Account
Email:  
Password: