Top stories

 

Click for the latest Montreal weather forecast.
Click for the latest Montreal weather forecast.

 

«طلاب الصحافة في لبنان.. أزمة «النظريات» و«الواقع

معايير التوجهات السياسية في وسائل الإعلام تطيح بالنظريات الجامعية

الشرق الأوسط 2007/02/20

يتخرج طلاب الاعلام في لبنان من جامعاتهم حاملين طموحهم وقضاياهم وكلهم إيمان بقدرتهم على التغيير وخرق المحظور. يتخرجون حاملين معهم دروسا ومحاضرات مطولة عن الحيادية والاتزان والتوثيق واعطاء الآخر فرصة. لكن الصعوبة تأتي في المرحلة التي تأتي بعد ذلك. فإذا ما حالف طالب الاعلام الحظ وقبل طلبه في وسيلة ما، فتبدأ بمدى قدرته على المواجهة أو التأقلم مع سياسة المحطة ونهجها حيث تُفرض عليه معايير قد لا تمت الى الموضوعية والأخلاقية الاعلامية والمهنية التي يدرسها طلاب الاعلام ويرددها أساتذتهم على مسامعهم على امتداد سنوات الدراسة الجامعية بصلة. هذه الصعاب تضع المتخرجين في موقع يتأرجحون فيه بين قرار المحافظة على مهنتهم ليكونوا أبواق المؤسسة التي ينتمون اليها وبين التمسك بأفكارهم السياسية التي لا تنسجم وفي أحيان كثيرة مع توجه الوسيلة حيث يعملون. «شتّان ما بين النظريات التي ندرّسها في الجامعة وبين الممارسات الاعلامية... ليس في لبنان فحسب انما في كل دول العالم»، يقول باسكال مونان، أستاذ الاعلام في قسم الاعلام والتواصل في جامعة القديس يوسف في لبنان. وفي حين يعترف مونان بانقسام الاعلام المرئي لصالح الطوائف والأحزاب اللبنانية، ما يحول دون تطبيق ممارسة أصول المهنة وتطبيقها بشكل شريف وجدي، يستثني الصحف اللبنانية من هذا التوجه مستشهدا بتنوع التحليلات وتوجهات الصحافيين السياسية.

يؤكد مونان أن خضوع الصحافي للارتهان والانصياع لأوامر المحطة اذا ما تخطت الموضوعية ونقل الحقائق كما هي بمسؤولية يخرج عن اطار المهنية الملتزمة، لذا يدعو الاعلاميين بشكل عام والمتخرجين بشكل خاص الى رفض الواقع والتشبث بوجهة نظرهم، «مع العلم أن العامل الاقتصادي وطموح التقدم وكسب الخبرات في المهنة تلعب دورا أساسيا في عدم قيام المتخرج بهذه الخطوة».

وفي ظل هذا الوضع الاعلامي المسيطر يعتبر مونان أن الصعوبة التي يواجهها طالب الاعلام في لبنان في ما يتعلق بالاختلاف بين النظري والتطبيقي تبقى محدودة، مقارنة مع ما يعانيه زملائه في المهنة في دول أخرى، اضافة الى تاريخ الصحافة اللبنانية العريق الذي يشكل ركيزة أساسية يجب أن يعتمد عليها كل مبتدئ في عالم الصحافة. لا ينفي مدير الأخبار في تلفزيون «المستقبل» حسين الوجه ارتباط الاعلام بشكل وثيق بالسياسة، وبالتالي فان الفرز السياسي الحاد اليوم في لبنان عكس فرزا اعلاميا واضحا، وهذا يعني ضرورة تقيد اعلاميي كل محطة بمعاييرها الخاصة، ما قد يعيق الوصول الى درجة عالية من الموضوعية التي تسعى اليها كل مؤسسة. «لا نفرض أي أسس أو قواعد محددة ليتقيد بها الاعلامي وان كان متخرجا حديثا، لكن بالطبع ونظرا لتوجهات المؤسسة السياسية سيأتي عمله تلقائيا مراعيا لهذا الخط، وان اختلفت خلفيته السياسية، لكن بعد أن يعرف الأسس العريضة ويترجمها بناء على مهنيته وخبرته، يستطيع أن يبدع من خلالها، أما اذا كانت النتيجة عكس ذلك، فالمشكلة تكمن عنده». ويضيف:

«من الطبيعي أن تحدّ هذه المعايير من قدراته وحماسته ، لكن بامكانه في الوقت عينه أن يجسدها بما يطلب منه، مع العلم أن الخبر يجب أن لا يختلف من مؤسسة الى أخرى».

ويقول الوجه في ما يتعلق باختلاف النظريات الاعلامية التي يتلقاها الطالب في الجامعة عن تلك المعتمدة في المؤسسات الاعلامية اليوم، «لا تختلف المعايير الاعلامية بين كلية الاعلام والمؤسسات انما تشكل الأولى منطلقا يرتكز عليه الطالب عندما يدخل سوق العمل ويخوض غمار الاعلام على أرض الواقع، مع اختلاف بسيط يظهر في الخبرات العملية التي يكتسبها أثناء عمله». وفي حين لا ينكر الوساطات التي قد يعتمد عليها بعض الأشخاص، كما هي حال معظم المؤسسات، يشدد في الوقت عينه على أن اختيار الاعلاميين في تلفزيون «المستقبل» يتم وفق المقاييس المهنية بكل ما للكلمة من معنى، والدليل على ذلك التنوع الطائفي للاعلاميين، الذين انضموا الى أسرة المحطة الفضائية قبل سنوات قليلة، واختلاف انتماءاتهم السياسية، وهذا واضح في أسماء الموظفين التي تظهر في جنريك البرامج وفي النشرات الاخبارية وتبين عدم اقتصارها، وخلافا للمؤسسات الأخرى، على طائفة محددة. تخرجت ناريمان صايغ منذ ثلاث سنوات من كلية الاعلام والتوثيق. توقها الى خوض غمار العمل الصحافي قادها الى اختيار هذا التخصص على أمل أن تحقق حلمها يوما ما وتنضم الى وسيلة اعلامية.

تقول صايغ «اليوم وبعد مرور ثلاث سنوات على تخرجي، ولم أجد عملا في مجال الصحافة، أشعر في بعض الأحيان بندم على سلوكي الحيادي، لأن الطلاب المستقلين ولا سيما في كلية الاعلام، لا يجدون خبزهم بعد التخرج وسط المعمعة والمحاصصة الاعلامية الطائفية أوالسياسية في لبنان. من ليس محسوبا على جهة سياسية معينة لم ولن يجد عملا في مجال تخصصه. ولطالما سمعت عن المحسوبيات المستشرية في وسائل الاعلام، لكن كنت دائما على يقين بأن من لديه قدرات سيجد فرصته يوما ما، انما للأسف اكتشفت أن الواقع معاكس لاقتناعاتي وللنظريات التي درستها في الجامعة».

وتقول صايغ «لذا وأمام انعدام الفرص لمن ليس له داعم أو وسيط، لم يكن أمامي الا البحث عن عمل في مجال آخر. ها أنا اليوم أعمل ناظرة في مدرسة. مهنة لم أكم أتوقع أنه سيأتي يوم وأمارسها، انما الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أجبرتني على القبول بهذا الواقع المزعج». اما «منى» (طلبت عدم الكشف عن اسمها الكامل حفاظا على وظيفتها) فتكتب منذ تخرجت في كلية الاعلام في صحيفة لبنانية تضعها في خانة «المعتدلة» مقارنة بالصحف الأخرى. وتقول «اقتصار تحقيقاتي على الموضوعات الاجتماعية والثقافية والاعلامية والتربوية لا ينفي تأثير الخط السياسي الذي تعمل الصحيفة على أساسه. يطلب منا الاضاءة على المشكلات الاجتماعية انطلاقا من الوضع السياسي القائم ومن رؤية سياسية معينة، هذا ما لم يكن واردا في النظريات الاعلامية التي تعلمتها في الجامعة والمرتكزة على الموضوعية والحيادية في العمل الصحافي، هناك توجه عام اعتدنا العمل على أساسه وعرفت به الصحيفة، لذا لا بد من التقيد به والعمل انطلاقا منه».

رغم ذلك، لا تنفي منى التأثير الايجابي لتوجه الصحيفة على أفكارها السياسية، «قبل أن أنضم الى هذه المؤسسة كانت آرائي متطرفة قليلا في بعض الأمور، لكن عملي هذا علمني أن أكون معتدلة نوعا ما مع بعض التحفظات التي لا يمكنني البوح بها علنا، وأضطر أن أتقيد بها في عدد من الموضوعات التي أكتبها». حسين الوجه لا يرى تأثيرا سلبيا على الاعلامي نفسه في المؤسسات الاعلامية المرئية، التي يبقى دورها محصورا في نقل الخبر من دون اضافات أو آراء شخصية تذكر. ويضيف: «لكن في الاعلام المكتوب بامكان الصحافي أن يطلق العنان لآرائه الشخصية».

ولا يستبعد الوجه احتمال عدم تأقلم بعض المتخرجين الشباب أو أي اعلامي آخر في مؤسسة لا تتوافق أو تنسجم مع توجهاته السياسية ما قد يحدو به الى ترك عمله، أو على العكس قد يقتنع البعض الآخر بعد الممارسة بخط الوسيلة وينسجمون معه، لكنه يؤكد في الوقت نفسه عدم تعرض صحافيي «المستقبل» لأي ضغط أيا يكن نوعه من الادارة على خلفية آرائهم السياسية، بل هناك العديد من الأشخاص المعارضين لسياسة المؤسسة ويزاولون عملهم بارتياح من دون انزعاج نظرا للرابط الاداري والأخلاقي المريح الذي يربطهم بالمؤسسة ويساعدهم على القيام بواجباتهم على أكمل وجه».

الاعلامي اللبناني جوزيف خولي انتقل في مرحلة دقيقة، وبالتحديد في نهاية الاسبوع الأول من حرب تموز (يوليو) على لبنان، من محطة «نيو تي في» «المعارضة» الى «المؤسسة اللبنانية للارسال» (LBC) «الموالية»، حيث التناقض واضح للمشاهد بين سياسة الأولى وسياسة الثانية، ما سيفرض بالتأكيد تعديلات أو تغيرات على عمل الاعلامي الذي يفترض عليه أن يتبع معايير اعلامية خاصة بكل مؤسسة. لكن خولي يقول: «توقي الى المثالية والتقيد بالمهنية الاعلامية على أكمل وجه منذ بدأت في مهنة الاعلام عام 2002 لم يشعرني بالاختلاف بين المؤسستين. خولي الذي بدأ متدربا في «نيو تي في» وانضم في ما بعد الى أسرتها، وان كان يعترف بين سطور اجاباته بالاختلاف السياسي بين المحطتين فهو لا يقولها علنا، الا في ما يتعلق ببعض المصطلحات الاعلامية التي تعتمدها كل مؤسسة وفقا لمعتقداتها وآرائها السياسية، «تتبع كل محطة خطا سياسيا خاصا بها، لكن الخط السياسي يظهر فقط من خلال مقدمة نشرة الأخبار وفي البرامج السياسية».

ويضيف: «قد لا أتفق في بعض الأحيان مع الخط السياسي المعتمد في «نيو تي في» انما لم يحصل طوال فترة عملي أي صدام بيني وبين المسؤولين». ورغم عدم انكار خولي ميوله السياسية، يتحفظ عن الافصاح عنها معتبرا أن اختلاف التوجه لا يؤثر في أداء الاعلامي وأخلاقياته المهنية.

Login to your eMail Account
Email:  
Password: