Top stories

 

 

Click for the latest Montreal weather forecast.
Click for the latest Montreal weather forecast.

 

 

 

ميشال عون وسمير جعجع وبيئة كل منهما (1 من 2) ... المسيحيون اللبنانيون بين تقليد الكتائب - بشري وتقليد كميل شمعون - ريمون اده

 

حازم صاغيّة     الحياة     - 06/04/06//

قبل أن يعود ميشال عون من منفاه، ويغادر سمير جعجع زنزانته، قيل إن الذي يسبق الى الحريّة يحصد شعبيّة المتلهّفين الى مخلّص. فالمسيحيّون جاهزون لمن يلتهمهم، لكنْ مَن الذي سيصل أوّلاً إلى الوليمة؟

صحّة قول كهذا تبقى، في أغلب الظن، جزئيّة. فما يميّز بين جُمهوري «الجنرال» و «الحكيم» أعمق من أن توجزه أسبقيّة الخروج الى الشارع والحريّة. ذاك أن كلاً من الاثنين يصدر عن تقليد في العمل السياسيّ المسيحيّ يخالف التقليد الذي يصدر عنه الآخر، فيما يخاطب كلٌ منهما مواقع ومصالح تغاير تلك التي يتوجّه الثاني إليها.

تقليد شمعون - إدّه

فـ «الجنرال» يستأنف الزعيم/الشخص الذي مثّله سياسيّون موارنة كان أبرزهم، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، كميل شمعون وريمون إدّه. وفي حدود كهذه يحتلّ التقدير الفرديّ للفرد، وهو مشوب دائماً بالمزاج، محكومٌ به وحده أحياناً، موقعاً محوريّاً.

والحال أن «التيّار الوطنيّ الحرّ»، لـ «العماد» عون، ليس أهمّ مما كانته «الكتلة الوطنيّة» لـ «العميد» إدّه، أو «حزب الوطنيّين الأحرار» لـ «الريّس» شمعون، خصوصاً أن الأشكال «التنظيميّة» الثلاثة تنعدم فيها الثقافة السياسيّة التي يُناط بها، في عادة الأحزاب، توحيد نظرة المحازبين الى ما يحيطهم، وتأسيس عصبيّة للحزب إن لم تفق التعصّب للقائد بلورتْه وأكسبتْه مضموناً يحاول أن يبدو مُقنعاً.

فمما يقوله الزعيم/الشخص، أو يفعله، تنبثق الوجهة التي تتشكّل من حولها الحياة العامّة. وهو، تعريفاً، ما يصعب إخضاعه الى منطق مُحكَم يتسلسل مقدّماتٍ واستخلاصات. فالمثابرة والصمود والثبات على الرأي تُغني مُناصري عون عن تطلّب ما هو أكثر، حتى ليُستعاض عن ضعف الكاريزما بجرعات من المواظبة والعناد طفحت منه في منفى بعيد وصارت أساساً لكاريزما من صنف خاص. وهي، بالطبع، قاعدةٌ تنهض فوقها «السياسة» بصفتها موقفاً ناجزاً وجموداً عند لحظة نهائيّة يُراد تأبيدها. فـ «أين كانوا حين كنا نقاوم السوريين»، على ما يردّد العونيّون، تغلق الباب أمام الجديد والمتغيّر واستقبالهما، بل أمام تقارب الآخرين مع «الجنرال» وإن على أرض أقرب الى أرضه. ذاك أن المواظبة والعناد، والقياس بقياسهما، لا يتركان مُـتّسعاً لنادم على صنيع سابق، ولا يفتحان كوّة أمام مُراجع كي يراجع ويتراجع.

بيد أن الأمور انتقائيّة دائماً. فما يجوز لعون لا يجوز لغيره، وفي الوقت نفسه ينشئ نمط العلاقة بالمُناصرين، المصدّقين خرافة المواظبة والعناد والكاريزما المستقاة منهما، صلة مُريحة لمزاج «الجنرال». هكذا يمدّ مزاجه رجليه فيحرّكهما ويتحرّك بهما بعيداً من أعين النقد والمراقبة. فليس تحصيل حاصل، مثلاً، أن يمرّ انعطاف في حجم «التفاهم» مع «حزب الله» مرور الكرام على جمهرة مسيحيّة لم يكن يعوزها الخوف، بل الخُواف، من «حزب الله». وليس بالشيء البسيط أن تنتقل العونيّة الى «تفاهم» كهذا بعد فترة وجيزة على ضلوعها في القرار 1559 الرامي الى تجريد الحزب إيّاه من سلاحه الأثير. فيجوز الظنّ، إذاً، أن الإصرار والمزاج كافيان لإحداث تسليم زعاميّ غير مسبوق، ومن ثم تعطيل طاقة نقديّة في بيئة لم يفارقها النقاش والاعتراض.

لكنْ إذا كانت المزاجيّة، على اختلاف تعابيرها، القاسم المشترك بين عون وإدّه، فهذا ما لا يُغني عن بعض لحمه وشحمه في التفاصيل: فقد شاع عن ميشال عون الشابّ إعجاب بعميد «الكتلة الوطنيّة» الراحل تحوّل، في طور لاحق، إعجاباً ببشير الجميّل وانضماماً نشطاً الى غرفة عمليّاته. وغنيّةٌ هي الدلالة الرمزيّة والفعليّة في آنٍ لانتقال النائب الحاليّ سليم سلهب، سليل أحد «البيوت» الكتلويّة التقليديّة، الى العونيّة وتيّارها، بالمعنى الذي انتقل فيه نائب بعبدا الجديد، بيار دكّاش، بعد انتساب الى «حزب الوطنيين الأحرار» الشمعونيّ الذي استعار منه «التيّار» النسبتين الإنشائيّتين الى الوطن والحريّة.

فقد ورث عون عن كميل شمعون الموقع التقريريّ في سياسة الجبل بما هو، من ناحية، أساس الزعامة المسيحيّة ورأسها، ومن ناحية أخرى، صلة حميمة، تحالفاً أو تنافساً، ببقية الطوائف. وكمثل كميل شمعون عام 1960، حين خاض في المتن الشمالي أولى معاركه الانتخابيّة بعد انتهاء ولايته الرئاسيّة، خاض ميشال عون معركته في جبيل - كسروان. فكأنما الزعيم/الشخص لا تحدّه معايير الانتماء الى منطقة معيّنة ورقعة محددة، بل على ضوئه هو تتحدّد المعايير وترتسم. وكمثله، هو الذي أحاط نفسه بنوّاب شديدي العاديّة، وقف «الجنرال»، ويقف، على رأس نوّاب من العيار ذاته، أبرز منهم وأهمّ صهرُه الذي رسب في الانتخابات جبران باسيل. وكمثله وقد عبّر، في الخمسينات والستينات، عن احتجاج عادل لمسيحيي الشوف وعاليه على استئثار الزعامة الدرزيّة - الجنبلاطيّة بتصدّر المنطقتين، يمثّل «الجنرال»، اليوم، الاحتجاج عينه.

ولشخصنةٍ كهذه أن تفسّر كيف أن عون قضيّة العونيين، أو معظم قضيّتهم، لا سيما وقد حفّت بها تجارب حروبه ونفيه معطوفةً على العبور المسيحيّ صحراءَ التهميش والاستبعاد طوال العهد البائد. لكنها تفسّر أيضاً المدى المتقدّم لانخراط العونيّة في صراعات الجنبلاطيّة الدرزيّة وبقايا اليزبكيّة - الأرسلانيّة ومحاولتها، بالتالي، انتزاع حصّة لها في الطوائف الإسلاميّة، فضلاً عن المسيحيين غير الموارنة.

فإذا كان السهم المنطلق من زعامة الجبل يتّجه حكماً الى رئاسة الجمهوريّة، بات الجنرال رهين الصراع على المركز والقلب، بالمعنى الذي نما بموجبه مسار كميل شمعون، ومن قبله بشارة الخوري وإميل إدّه وغيرهما. ولأنه هكذا، يتعاظم بَرَمه بموقعٍ كالذي يحتلّه في الجبل وليد جنبلاط، محاصراً به منصّة انطلاقه الجبليّ، أو كذاك الذي يشغله في بيروت سعد الحريري، مهدّداً به محطّ وصوله المأمول الى الرئاسة الأولى. وما دامت المسألة الوطنيّة، عنده، تصطبغ بمسألته هو، غدا من الصعب أن يبقى «التيّار» واحداً من فصائل 14 آذار، مثله مثل سائر الفصائل والتنظيمات، لا فضل له عليها إلا بالتقوى.

بين الشيعة والسنّة

غير أن العونيّة إذ تتقدّم على النحو هذا، هجوميّةً مندفعة، تستند الى صورة عن لبنان سابقة على تحوّلاته الديموغرافيّة والاقتصاديّة. فزعيم «التيّار» الذي لا تربطه صلة من تحالف ندّيّ بالقوى الفاعلة في معظم الطوائــف الإسلاميّة، يملك مؤيّدين هم أطراف للطوائف المذكورة وهوامش. وإنما بالمعنى هذا، تُقرأ الاتجاهات المُشكّلة للسياسات العونيّة أو بعضها: ففضلاً عن مخاطبته الحسّ العداليّ والاحتجاجيّ لدى مسيحيي الجبل، يدغدغ «الجنرال»، حيال مسيحيي الأطراف، حساسيّةً ذمّيّةً يغذّيها أن الأكثريّة المسلمة في الشمال هي التي تحسم في تمثيل المسيحيين. ودائماً هناك خلاصيّة المُتعبين من «التهميش» الذين يرون، حيث ينظرون، «مؤامرة» تنوي ردّهم الى ما كانوا عليه عهدذاك. أما «التفاهم» مع «حزب الله»، فيرفده تصوّر للبنان قديم بدوره، مفاده أن الطائفة الشيعيّة لا تزال، كما كانت قبل 1975، قوّةً تتوسّلها السياسة أكثر مما تتوسّل السياسةَ، وطائفةً تستهلكها «البساطة» و «الطيبة» فتطغيان على المستجدّات التي يعكسها صعود الحزب الخميني. وتبعاً لقراءة برّانيّة وأبويّة كهذه، يُصار الى توهّم الوظيفة الخارجيّة للحزب المذكور دليلاً على خارجيّة تأثيره في أساسيّات السياسة اللبنانيّة، بدل أن يكون دليلاً على أهميّة الخارجيّ في السياسة تلك.

فلا يبقى، بالتالي، لبيئةٍ أوهنتها الحرب و «أنّثتها» إلا أن ترى في نصر الله وبندقيّته رمزين على فحولة عارمة، غير أنها من ذاك النوع الذي «ينضبط» ويمتثل فيضحي خصاءً حيال اللبنانيين العونيين.

والحقّ أن عون الذي شنّ حربه على سوريّة، مدعوماً بالشاعرين سعيد عقل ومي المرّ، يوم كان السوريّون يندرجون في أعرض تحالف دوليّ عرفه التاريخ كلّه، ليس أنجب الأساتذة في علاقة الداخل بالخارج. وهو، كما يمكن الترجيح، لا يزال مُقيماً على تلك السذاجة الريفيّة القديمة حول دوران المحيط في فلك لبنان، لم تخفّف منها سنواته الفرنسيّة المديدة نسبيّاً. فدوره في التوصّل الى القرار 1559 يترافق مع تأويل يبالغ في التعويل على الصمود الداخليّ في توليد القرار. وهو، للغرض هذا، لا يكفّ عن استرجاع لحظاتٍ شعبويّة، سابقة ولاحقة، سادتها نبرة من تحفّظ عن الولايات المتحدة والغرب عموماً، وطبعاً إسرائيل.

وأغلب الظن أن التكوين هذا ما أوهمه إمكان التأثير في «حزب الله»، وربما في الخطط السوريّة بعدما «خرج» الجيش السوريّ من لبنان، كما يوهمه، بين الفينة والأخرى، إمكان المضيّ في مشروعه ضدّاًَ على مواقف الأطراف الدوليّة الفاعلة.

ولفهمٍ كهذا سوابق في الإديّة والشمعونيّة. فعميد «الكتلة» كان شيخ الطريقة التي يعتنقها «العماد» اليوم وترى الى الكون من منظور الإرادة والإراديّة اللبنانيّتين، إن لم يكن من منظور العميد شخصيّاً واشتراطاته على العالم. أما رئيس الجمهوريّة الراحل فسبق أن واجه الصعود الناصريّ بعد 1956، التي أُرّخ بحربها لانتهاء «الاستعمار القديم»، بالتزوير الكاسح لانتخابات 1957، ثم واجه وحدة مصر وسوريّة، في العام التالي، وكانت معزّزة بولاء نصف اللبنانيين، بالإصرار على تجديدٍ لعهده يتشدّد في رفضه النصف هذا.

ومتى تذكّرنا أن السياسة المارونيّة التقليديّة غالباً ما استخدمت التحالف مع قيادات شيعيّة، من يوسف الزين الى كامل الأسعد ومن عادل عسيران الى كاظم الخليل، لإضعاف قيادات المدن السنيّة ومعها زعامة الجبل الجنبلاطيّة، أدركنا بعض أوجه الاستمراريّة التي تصل الحاضر بذاك الماضي. وهو ما لا يُعدم بعض أسباب موضوعيّة وذاتيّة في وقت واحد. ذاك أن «التعايش»، عند ميشال عون، ابن حارة حريك في الضاحية الجنوبيّة، يُرجّح له أن يبدأ بالعلاقة المارونيّة - الشيعيّة (خصوصاً إذا صحّ وجود قرابة تجمع أسرته بأسرة «عون» الشيعيّة). وبالمعنى هذا، لم يحتلّ الاعتراض على «إلحاق» جزّين بالأكثريّة الشيعيّة ما احتلّه الاعتراض على «إلحاق» مماثل لمسيحيي الشمال بالأكثريّة السنيّة.

وكائناً ما كان الأمر، فالصلة هذه قد تجد ما يعزّزها في تركيب المؤسّسة العسكريّة التي انبثق «الجنرال» منها، والذي لم يعكّر صفوَه حضورٌ مهيض الجناح للسنّة الريفيين المتلصّصين على صف أوّل مسيحيّ، ومارونيّ خصوصاً، وعلى صف ثانٍ شيعيّ بدأ يغدو، منذ الثمانينات، صفّاً أوّل.

وفي اتصاله بالتقليد الشمعونيّ - الإدّيّ، يُستعاد في سيرة ريمون إدّه أن مدخل «التعايش» عنده كان السيطرة على المقعد الشيعي في جبيل، وحجزه لأحمد إسبر، فيما أراضيه المملوكة في البقاع مكثت شرط تجديده زعامتَه وبقائه في المتن السياسيّ والوطنيّ. لكن إدّه هو إيّاه الصادر عن بيت كسب مؤسّسه، الرئيس الراحل إميل إدّه، كراهيّة سنيّة غير مسبوقة منذ طالب أهل طرابلس بالرحيل الى مكّة!

وعلى نطاق أوسع، كان شمعون، المحاط دوماً بكاظم الخليل ومحمود عمّار، وأحياناً بعادل عسيران، صاحب العداوات الأمرّ التي ربطته، في لبنان ما قبل الحرب، برؤساء الحكومات السنيّين الراحلين، لا سيما منهم صائب سلام ورشيد كرامي.

جديد «حزب الله»

في الحالات جميعاً، شرعت المعادلة تختلّ، أوائل السبعينات، مع السيّد موسى الصدر وقد انتقل بتحالفه من السياسيين والمثقفين ورجال الدين المسيحيين الى دمشق والمقاومة الفلسطينيّة، مثلما انتقل بخلافاته من دار الفتوى السنيّة التي انتزع منها صلاحيّات مجلسه الملّيّ، «المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى»، الى مؤسّسات «الدولة المارونيّة» التي وُصمت وحدها حارمة «المحرومين».

والمسار هذا بلغ، في سنوات الحرب، ذُرىً كان أوجُها الاحتلال الإسرائيليّ وما استجرّه من مقاومة. فبفعل تطوّرات كتلك، في تداخُلها مع القوى الإقليميّة واعتباراتها، وفي توازيها مع تحولات ديموغرافيّة عظمى، كفّ شيعة شمعون وإدّه عن مشابهة شيعة عون المفترضين، بحيث أضحى «التفاهم» مع «حزب الله» يشبه القصف الطائش والعشوائيّ، بل الضربة الأخيرة التي، بعد فشلها، يتمّ الاستسلام الى يأس مجبول بتطرّف مؤكّد وربما انتحاريّ.

على أن ماضويّة الوعي العونيّ لا تنضب وهي، في أغلب الظن، تمنح أولويّتها في العداء لـ «الفلسطينيّ» على «السوريّ»: صحيحٌ أن «الجنرال» قاتل السوريين وقاتلوه، غير أنه نظر اليهم دوماً على أنهم «خارجيّون» يمكن التلاقي معهم في مجرّد أن ينكفئوا عن الداخل ويرتدّوا نحو خارجيّتهم. ويبقى الفلسطينيّون، في المقابل، الخطر المقيم في الداخل أو «المتسلّل» إليه. وهي أيضاً حساسيّة جنوبيّة المصدر قدر ما هي شخصيّة ومهنيّة. فالضابط الذي تخرّج في دورة التخريج الأولى لعهد فؤاد شهاب، أصابه التثبّت عند صدام المشروع الفلسطيني المسلّح بالدولة في احتكارها أدوات العنف والقوّة. وقـــد خدم عون، عند اغتيال نائب صيدا معروف سعد، عام 1974، الذي عدّه كثيرون شرارة «حرب السنتين»، في الجنوب وعاش المواجهة المحتدمة بين الجيش والمقاومة الفلسطينيّة وحلفائها. وإذ قاتل لاحقاً، في الثمانينات، في سوق الغرب، اصطدم بالفلسطينيين وحلفائهم «غير النظاميين» ممن يتعالى عليهم مهنيّاً، ولم ير السوريين «النظاميين» الذين يشبهونه في الجهة الأخرى، وهم كانوا غير مرئيّين أصلاً. فميشال عون، ضابط المدفعيّة، تقع عينه على العدوّ المنظور فيتهيّأ لقصفه، أو يقصفه إن استطاع. أما حين لا تقع عين عليه، تبعاً لاختباء العدوّ أو لسحبه جيشَه أو لخروج قوّاته «النظاميّة»، فلا يعود عدوّاًَ، كائناً ما كان تضارب السياسات والمصالح مما لا تحتويه إحاطة البصر المباشرة.

وإذ توشّي حساسيّاتُه الشخصيّة وعيَه الماضويّ، يعجز «الجنرال» عن تلمّس المُستجدّات الكبرى: هكذا نراه يضيف إلى إغفاله جديدَ الشيعة، وقد عصفت بهم الثورة الإيرانيّة بعد الثورة الديموغرافيّة، إغفالَه التحوّل المقابل الذي ألمّ بالطائفة السنيّة بعد جريمة اغتيال الرئيس الحريري مصالحاً إيّاها مع فكرة الوطنيّة اللبنانيّة. لكن قصور الإدراك ليس دائماً صدفة ميّتة ملغاة الوظائف. ذاك أن التثبّت عند صورة قديمة للبنان يشوّشها الإقرار باللبننة السياسيّة للسنّة، لا سيّما المدينيين منهم، مثلما يبلبلها الاعتراف بالتغيّرات التي طرأت على الشيعة، بالديموغرافي منها والإقليمي، وما ترتّب عليها من تحالفات وأشكال وعي وتنظيم.

فالعونيّة، من ثم، لا تطمئنّ الــــى ذاتها والى قدرتها على تعقـــــّل العالــــم المحيط إلا بالإنكار - إنكار أن يكون الشيعة قد تغيّروا في اتجاه، والسنّة، أيضاً، إنما في اتجاه آخر. وعلى النحو هذا، تتشكّل هرميّة في الوعي يقبع «الجنرال» في أوجها، مُلحقاً بعض الآخرين (السنّة والدروز) بالسيف، وبعضهم الآخر (الشيعة) بالندى.

أما الإنكار المؤسّس فيخصّ، في مطلق الأوضاع، التحوّلات التي طرأت على المسيحيين أنفسهم. ذاك أن صوت ميشال عون وطموحه أكبر من الحجم المسيحيّ وقد ألمّ به ما ألمّ من انحسار ديموغرافيّ ومن فقدان لدور الوساطة مع السياسات الغربيّة، على ما تدلّ العلاقات الوثيقة، الفرنسيّة ثم الأميركيّة، بآل الحريري، أو تجاهل كوندوليزا رايس له في زيارتها الأخيرة بيروت. وهو جميعاً ما يصار الى تعويضه بالكاريزما المصنوعة من مِزَق العناد والمواظبة والشعبويّة. فميلٌ كهذا تتلاقى عنده قابليّات «الجنرال» الذهنيّة والثقافيّة وسذاجة سياسيّة لدى بيئة مسيحيّة ضعيفة التسيّس، ضئيلة التجارب، ما خلا تجربة معاناة الحرب وتسلّط الميليشيات إبّانها. وفي هذا تشترك جمهرته المَقودة مع قائدها «النظاميّ» الذي وقع عليه مقتل العقيد خليل كنعان، على أيدي «القوّات اللبنانيّة» أواسط الثمانينات، وقع الرضّة الحارقة.

وليس اللبنان القديم الذي يخلّده «الخطاب» العونيّ طائفيّاً بالمعنى البسيط، بل طائفيّ بمعنى كسول مفاده تسويق الوحدة القديمة حين كان الإقرار بالرجحان المسيحيّ يعفي المسيحيين من جهرهم بالطائفيّة البسيطة. فهو يحمّل «اللبنانيين» جميعاً، وينسب إليهم، صورةً مسيحيّة عن بلدهم، صورةً الغلبةُ فيها محفوظة ومُستدامة. ولئن انجرّ عن الوعي ذاك «تمثيل» عون سائر «الشعب» والنطق باسمه، فالأمر يتماشى مع استهواء بيئته لـ «الوطنيّة» قبل أن تزلزلها الحرب في 1975، فيما «الطائفيّة»، الموصوفة بـ «التخلّف» و»العيب»، تبقى مدعاة احتقار وتعالٍ صريحين

Login to your eMail Account
Email:  
Password: